الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
119
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يقال : صخّ يصخ قاصرا ومتعديا ، ومضارعه يصخ بضم عينه في الحالين . وقد اختلف أهل اللغة في اشتقاقها اختلافا لا جدوى له ، وما ذكرناه هو خلاصة قول الخليل والراغب وهو أحسن وأجرى على قياس اسم الفاعل من الثلاثي ، فالصاخّة صارت في القرآن علما بالغلبة على حادثة يوم القيامة وانتهاء هذا العالم ، وتحصل صيحات منها أصوات تزلزل الأرض واصطدام بعض الكواكب بالأرض مثلا ، ونفخة الصّور التي تبعث عندها الناس . و ( إذا ) ظرف وهو متعلق ب جاءَتِ الصَّاخَّةُ وجوابه قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ الآيات . والمجيء مستعمل في الحصول مجازا ، شبه حصول يوم الجزاء بشخص جاء من مكان آخر . و يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ بدل من إذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ بدلا مطابقا . والفرار : الهروب للتخلص من مخيف . وحرف ( من ) هنا يجوز أن يكون بمعنى التعليل الذي يعدّى به فعل الفرار إلى سبب الفرار حين يقال : فرّ من الأسد ، وفرّ من العدو ، وفرّ من الموت ، ويجوز أن يكون بمعنى المجاوزة مثل ( عن ) . وكون أقرب الناس للإنسان يفرّ منهم يقتضي هول ذلك اليوم بحيث إذا رأى ما يحل من العذاب بأقرب الناس إليه توهم أن الفرار منه ينجيه من الوقوع في مثله ، إذ قد علم أنه كان مماثلا لهم فيما ارتكبوه من الأعمال فذكرت هنا أصناف من القرابة ، فإن القرابة آصرة تكون لها في النفس معزة وحرص على سلامة صاحبها وكرامته . والألف يحدث في النفس حرصا على الملازمة والمقارنة . وكلا هذين الوجدانين يصد صاحبه عن المفارقة فما ظنك بهول يغشى على هذين الواجدين فلا يترك لهما مجالا في النفس . ورتبت أصناف القرابة في الآية حسب الصعود من الصنف إلى من هو أقوى منه تدرجا في تهويل ذلك اليوم . فابتدئ بالأخ لشدة اتصاله بأخيه من زمن الصبا فينشأ بذلك إلف بينهما يستمر طول الحياة ، ثم ارتقي من الأخ إلى الأبوين وهما أشد قربا لابنيهما ، وقدمت الأم في الذكر لأن إلف ابنها بها أقوى منه بأبيه وللرعي على الفاصلة ، وانتقل إلى الزوجة والبنين وهما مجتمع عائلة الإنسان وأشد الناس قربا به وملازمة .