الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

116

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وإسناد الصّب والشق والإنبات إلى ضمير الجلالة لأن اللّه مقدّر نظام الأسباب المؤثرة في ذلك ، ومحكم نواميسها وملهم الناس استعمالها . فالإسناد مجاز عقلي في الأفعال الثلاثة . وقد شاع في صَبَبْنَا و ( أنبتنا ) حتى ساوى الحقيقة العقلية . وانتصب صَبًّا و شَقًّا على المفعول المطلق ل صَبَبْنَا و شَقَقْنَا مؤكّدا لعامله ليتأتى تنوينه لما في التنكير من الدلالة على التعظيم وتعظيم كل شيء بما يناسبه وهو تعظيم تعجيب . والفاء في قوله : فَأَنْبَتْنا للتفريع والتعقيب وهو في كل شيء بحسبه . والحب أريد منه المقتات منه للإنسان ، وقد تقدم في قوله تعالى : كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في سورة البقرة [ 261 ] . والعنب : ثمر الكرم ، ويتخذ منه الخمر والخل ، ويؤكل رطبا ، ويتخذ منه الزبيب . والقضب : الفصفصة الرطبة ، سميت قضبا لأنها تعلف للدواب رطبة فتقضب ، أي تقطع مرة بعد أخرى ولا تزال تخلف ما دام الماء ينزل عليها ، وتسمى القت . والزيتون : الثمر الذي يعصر منه الزيت المعروف . والنخل : الشجر الذي ثمرته التمر وأطواره . والحدائق : جمع حديقة وهي الجنة من نخل وكرم وشجر فواكه ، وعطفها على النخل من عطف الأعم على الأخص ، ولأن في ذكر الحدائق إدماجا للامتنان بها لأنها مواضع تنزههم واخترافهم . وإنما ذكر النخل دون ثمرته ، وهو التمر ، خلافا لما قرن به من الثمار والفواكه والكلأ ، لأن منافع شجر النخيل كثيرة لا تقتصر على ثمره ، فهم يقتاتون ثمرته من تمر ورطب وبسر ، ويأكلون جمّاره ، ويشربون ماء عود النخلة إذا شق عنه ، ويتخذون من نوى التمر علفا لإبلهم ، وكل ذلك من الطعام ، فضلا عن اتخاذهم البيوت والأواني من خشبه ، والحصر من سعفه ، والحبال من ليفه . فذكر اسم الشجرة الجامعة لهذه المنافع أجمع في الاستدلال بمختلف الأحوال وإدماج الامتنان بوفرة النعم ، وقد تقدم قريبا في سورة النبأ . والغلب : جمع غلباء ، وهي مؤنث الأغلب ، وهو غليظ الرقبة ، يقال : غلب كفرح ،