الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

109

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و السَّبِيلَ : الطريق ، وهو هنا مستعار لما يفعله الإنسان من أعماله وتصرفاته تشبيها للأعمال بطريق يمشي فيه الماشي تشبيه المحسوس بالمعقول . ويجوز أن يكون مستعارا لمسقط المولود من بطن أمه فقد أطلق على ذلك الممر اسم السبيل في قولهم : « السبيلان » فيكون هذا من استعمال اللفظ في مجازيه . وفيه مناسبة لقوله بعده : ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ، ف أَماتَهُ مقابل خَلَقَهُ و ( أقبره ) مقابل ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ لأن الإقبار إدخال في الأرض وهو ضد خروج المولود إلى الأرض . والتيسير : التسهيل ، و السَّبِيلَ منصوب بفعل مضمر على طريق الاشتغال ، والضمير عائد إلى السَّبِيلَ والتقدير : يسّر السبيل له ، كقوله : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ [ القمر : 17 ] أي لذكر الناس . وتقديم السَّبِيلَ على فعله للاهتمام بالعبرة بتيسير السبيل بمعنييه المجازيين ، وفيه رعاية للفواصل . وكذلك عطف ثُمَّ أَماتَهُ على يَسَّرَهُ بحرف التراخي هو لتراخي الرتبة فإن انقراض تلك القوى العقلية والحسيّة بالموت ، بعد أن كانت راسخة زمنا ما ، انقراض عجيب دون تدريج ولا انتظار زمان يساوي مدة بقائها ، وهذا إدماج للدلالة على عظيم القدرة . ومن المعلوم بالضرورة أن الكثير الذي لا يحصى من أفراد النوع الإنساني قد صار أمره إلى الموت وأن من هو حيّ آيل إلى الموت لا محالة ، فالمعنى : ثم أماته ويميته . فصيغة المضي في قوله : أَماتَهُ مستعملة في حقيقته وهو موت من مات ، ومجازه وهو موت من سيموتون ، لأن موتهم في المستقبل محقق . وذكر جملة : ثُمَّ أَماتَهُ توطئة وتمهيد لجملة فَأَقْبَرَهُ وإسناد الإماتة إلى اللّه تعالى حقيقة عقلية بحسب عرف الاستعمال . وهذا إدماج للامتنان في خلال الاستدلال كما أدمج : فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ فيما سبق . و ( أقبره ) جعله ذا قبر ، وهو أخص من معنى قبره ، أي أن اللّه سبّب له أن يقبر . قال الفراء : « أي جعله مقبورا ، ولم يجعله ممن يلقى للطير والسباع ولا ممن يلقى في النواويس » ( جمع ناووس صندوق من حجر أو خشب يوضع فيه الميت ويجعل في بيت أو نحوه ) .