الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
106
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
قُتِلَ الْإِنْسانُ أنه لعن ، رواه الضحاك عن ابن عباس وقاله مجاهد وقتادة وأبو مالك . قال في « الكشاف » : « دعاء عليه وهذا من أشنع دعواتهم » ، أي فمورده غير مورد قوله تعالى : قاتَلَهُمُ اللَّهُ [ التوبة : 30 ] وقولهم : قاتل اللّه فلانا يريدون التعجيب من حاله ، وهذا أمر مرجعه للاستعمال ولا داعي إلى حمله على التعجيب لأن قوله : ما أَكْفَرَهُ يغني عن ذلك . والدعاء بالسوء من اللّه تعالى مستعمل في التحقير والتهديد لظهور أن حقيقة الدعاء لا تناسب الإلهية لأن اللّه هو الذي يتوجه إليه الناس بالدعاء . وبناء قُتِلَ للمجهول متفرع على استعماله في الدعاء ، إذ لا غرض في قاتل يقتله ، وكثر في القرآن مبنيا للمجهول نحو فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ [ المدثر : 19 ] . وتعريف الْإِنْسانُ يجوز أن يكون التعريف المسمى تعريف الجنس فيفيد استغراق جميع أفراد الجنس ، وهو استغراق حقيقي ، وقد يراد به استغراق معظم الأفراد بحسب القرائن فتولّد بصيغة الاستغراق ادعاء لعدم الاعتداد بالقليل من الأفراد ، ويسمى الاستغراق العرفي في اصطلاح علماء المعاني ، ويسمى العامّ المراد به الخصوص في اصطلاح علماء الأصول والقرينة هنا ما بين به كفر الإنسان من قوله : مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ إلى قوله : ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ فيكون المراد من قوله : الْإِنْسانُ المشركين المنكرين البعث ، وعلى ذلك جملة المفسرين ، فإن معظم العرب يومئذ كافرون بالبعث . قال مجاهد : ما كان في القرآن قُتِلَ الْإِنْسانُ فإنما عني به الكافر . والأحكام التي يحكم بها على الأجناس يراد أنها غالبة على الجنس ، فالاستغراق الذي يقتضيه تعريف لفظ الجنس المحكوم عليه استغراق عرفي معناه ثبوت الحكم للجنس على الجملة ، فلا يقتضي اتصاف جميع الأفراد به ، بل قد يخلو عنه بعض الأفراد وقد يخلو عنه المتصف به في بعض الأحيان ، فقوله : ما أَكْفَرَهُ تعجيب من كفر جنس الإنسان أو شدة كفره وإن كان القليل منه غير كافر . فآل معنى الإنسان إلى الكفار من هذا الجنس وهم الغالب على نوع الإنسان . فغالب الناس كفروا باللّه من أقدم عصور التاريخ وتفشّى الكفر بين أفراد الإنسان وانتصروا له وناضلوا عنه . ولا أعجب من كفر من ألّهوا أعجز الموجودات من حجارة وخشب ، أو نفوا أن يكون لهم رب خلقهم .