الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
10
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وأول ذلك إنباؤه بأن القرآن كلام اللّه ، وما تضمنه القرآن من إبطال الشرك ، ومن إثبات بعث الناس يوم القيامة ، فما يروى عن بعض السلف من تعيين نبأ خاص يحمل على التمثيل . فعن ابن عباس : هو القرآن ، وعن مجاهد وقتادة : هو البعث يوم القيامة . وسوق الاستدلال بقوله : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً إلى قوله : وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً [ النبأ : 16 ] يدل دلالة بينة على أن المراد من النَّبَإِ الْعَظِيمِ الإنباء بأن اللّه واحد لا شريك له . وضمير هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ يجري فيه الوجهان المتقدمان في قوله : يَتَساءَلُونَ . واختلافهم في النبأ اختلافهم فيما يصفونه به ، كقول بعضهم : إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [ الأنعام : 25 ] وقول بعضهم : هذا كلام مجنون ، وقول بعضهم : هذا كذب ، وبعضهم : هذا سحر ، وهم أيضا مختلفون في مراتب إنكاره . فمنهم من يقطع بإنكار البعث مثل الذين حكى اللّه عنهم بقوله : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [ سبأ : 7 - 8 ] ، ومنهم من يشكّون فيه كالذين حكى اللّه عنهم بقوله : قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [ الجاثية : 32 ] على أحد التفسيرين . وجيء بالجملة الاسمية في صلة الموصول دون أن يقول : الذي يختلفون فيه أو نحو ذلك ، لتفيد الجملة الاسمية أن الاختلاف في أمر هذا النبأ متمكن منهم ودائم فيهم لدلالة الجملة الاسمية على الدوام والثبات . وتقديم عَنْهُ على مُعْرِضُونَ [ ص : 68 ] للاهتمام بالمجرور وللإشعار بأن الاختلاف ما كان من حقه أن يتعلق به ، مع ما في التقديم من الرعاية على الفاصلة . [ 4 ] [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 4 ] كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ( 4 ) كَلَّا حرف ردع وإبطال لشيء يسبقه غالبا في الكلام يقتضي ردع المنسوب إليه وإبطال ما نسب إليه ، وهو هنا ردع للذين يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون على ما يحتمله التساؤل من المعاني المتقدمة ، وإبطال لما تضمنته جملة يَتَساءَلُونَ [ النبأ : 1 ] من تساؤل معلوم للسامعين . فموقع الجملة موقع الجواب عن السؤال ولذلك فصلت ولم تعطف لأن ذلك طريقة السؤال والجواب .