الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
98
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أمده المقدر في علم اللّه . وصاحب الحوت : هو يونس بن متّى ، وقد تقدم ذكره عند قوله تعالى : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ إلى قوله : وَيُونُسَ في سورة الأنعام [ 84 - 86 ] . والصاحب : الذي يصحب غيره ، أي يكون معه في بعض الأحوال أو في معظمها ، وإطلاقه على يونس لأن الحوت التقمه ثم قذفه فصار ( صاحب الحوت ) لقبا له لأن تلك الحالة معيّة قوية . وقد كانت مؤاخذة يونس عليه السلام على ضجره من تكذيب قومه وهم أهل نينوى كما تقدم في سورة الصافات . و إِذْ طرف زمان وهو وجملته متعلق باستقرار منصوب على الحال أي في حالة وقت ندائه ربّه ، فإنه ما نادى ربّه إلّا لإنقاذه من كربه الذي وقع فيه بسبب مغاضبته وضجره من قومه ، أي لا يكن منك ما يلجئك إلى مثل ندائه . والمكظوم : المحبوس المسدود عليه يقال : كظم الباب أغلقه وكظم النهر إذا سده ، والمعنى : نادى في حال حبسه في بطن الحوت . وجيء بهذه الحال جملة اسمية لدلالتها على الثبات ، أي هو في حبس لا يرجى لمثله سراح ، وهذا تمهيد للامتنان عليه بالنجاة من مثل ذلك الحبس . وقوله : لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ إلخ استئناف بياني ناشئ عن مضمون النهي من قوله : وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى إلخ لأنه يتضمن التحذير من الوقوع في كرب من قبيل كرب يونس ثم لا يدري كيف يكون انفراجه . و أَنْ يجوز أن تكون مخففة من ( أنّ ) ، واسمها ضمير شأن محذوف ، وجملة تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ خبرها . ويجوز أن تكون مصدرية ، أي لولا تدارك رحمة من ربّه . والتدارك : تفاعل من الدرك بالتحريك وهو اللحاق ، أي أن يلحق بعض السائرين بعضا وهو يقتضي تسابقهم وهو هنا مستعمل في مبالغة إدراك نعمة اللّه إياه . والنبذ : الطرح والترك . والعراء ممدودا : الفضاء من الأرض الذي لا نبات فيه ولا بناء . والمعنى : لنبذه الحوت أو البحر بالفضاء الخالي لأن الحوت الذي ابتلعه من النوع