الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

93

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تعالى : يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ إلى قوله : مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ [ القمر : 6 - 8 ] ، أو يدعو بعضهم بعضا بإلهام من اللّه تعالى ، وهو نظير الدعوة إلى الشفاعة في الأثر المروي « فيقول بعضهم لبعض : لو استشفعنا إلى ربّنا حتى يريحنا من موقفنا هذا » . وخشوع الأبصار : هيئة النظر بالعين بذلة وخوف ، استعير له وصف خاشِعَةً لأن الخاشع يكون مطأطئا مختفيا . و تَرْهَقُهُمْ : تحل بهم وتقترب منهم بحرص على التمكن منهم ، رهق من باب فرح قال تعالى : تَرْهَقُها قَتَرَةٌ [ عبس : 41 ] . وجملة تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ حال ثانية من ضمير يَسْتَطِيعُونَ . وجملة وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ معترضة بين ما قبلها وما تفرع عنها ، أي كانوا في الدّنيا يدعون إلى السجود للّه وحده وهم سالمون من مثل الحالة التي هم عليها في يوم الحشر . والواو للحال وللاعتراض . وجملة وَهُمْ سالِمُونَ حال من ضمير يُدْعَوْنَ أي وهم قادرون لا علة تعوقهم عنه في أجسادهم . والسلامة : انتفاء العلل والأمراض بخلاف حالهم يوم القيامة فإنهم ملجئون لعدم السجود . [ 44 - 45 ] [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 44 إلى 45 ] فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 44 ) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 45 ) الفاء لتفريع الكلام الذي عطفته على الكلام الذي قبله لكون الكلام الأول سببا في ذكر ما بعده ، فبعد أن استوفي الغرض من موعظتهم ووعيدهم وتزييف أوهامهم أعقب بهذا الاعتراض تسلية للرسول صلى اللّه عليه وسلم بأن اللّه تكفل بالانتصاف من المكذبين ونصره عليهم . وقوله : فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ ونحوه يفيد تمثيلا لحال مفعول ( ذر ) في تعهده بأن يكفي مئونة شيء دون استعانة بصاحب المئونة بحال من يرى المخاطب قد شرع في الانتصار لنفسه ورأى أنه لا يبلغ بذلك مبلغ مفعول ( ذر ) لأنه أقدر من المعتدى عليه في الانتصاف من المعتدي فيتفرغ له ولا يطلب من صاحب الحق إعانة له على أخذ حقه ، ولذلك يؤتى بفعل يدل على طلب الترك ويؤتى بعده بمفعول معه ومنه قوله تعالى : وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ [ المزمل : 11 ] ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً [ المدثر : 11 ] وقال السهيلي في