الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

87

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وإنما تغير الضمير إلى ضمير الخطاب تبعا لتغير توجيه الكلام ، لأن شرط الالتفات أن يتغير الضمير في سياق واحد . و ما لَكُمْ استفهام إنكاري لحالة حكمهم ، ف ما لَكُمْ مبتدأ وخبر وقد تقدم في قوله تعالى : قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ في سورة البقرة [ 246 ] . و كَيْفَ تَحْكُمُونَ استفهام إنكاري ثان في موضع الحال من ضمير لَكُمْ ، أي انتفى أن يكون لكم شيء في حال حكمكم ، أي فإن ثبت لهم كان منكرا باعتبار حالة حكمهم . والمعنى : لا تحكمون أنكم مساوون للمسلمين في جزاء الآخرة أو مفضلون عليهم . [ 37 - 38 ] [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 37 إلى 38 ] أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ( 37 ) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ ( 38 ) إضراب انتقال من توبيخ إلى احتجاج على كذبهم . والاستفهام المقدر مع أَمْ إنكار لأن يكون لهم كتاب إنكارا مبنيا على الفرض وإن كانوا لم يدّعوه . وحاصل هذا الانتقال والانتقالات الثلاثة بعده وهي أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا [ القلم : 39 ] إلخ ، سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ [ القلم : 40 ] أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ [ القلم : 41 ] إلخ أن حكمكم هذا لا يخلو من أن يكون سنده كتابا سماويا نزل من لدنا ، وإما أن يكون سنده عهدا منا بأنا نعطيكم ما تقترحون ، وإما أن يكون لكم كفيل علينا ، وأما أن يكون تعويلا على نصر شركائكم . وتقديم لَكُمْ على المبتدأ وهو كِتابٌ لأن المبتدأ نكرة وتنكيره مقصود للنوعية فكان تقديم الخبر لازما . وضمير فِيهِ عائد إلى الحكم المفاد من قوله : كَيْفَ تَحْكُمُونَ [ القلم : 36 ] ، أي كتاب في الحكم . و ( في ) للتعليل أو الظرفية المجازية كما تقول ورد كتاب في الأمر بكذا أو في النهي عن كذا فيكون فِيهِ ظرفا مستقرا صفة ل كِتابٌ . ويجوز أن يكون الضمير عائدا إلى كِتابٌ ويتعلق المجرور بفعل تَدْرُسُونَ جعلت الدراسة العميقة بمزيد التبصر في ما يتضمنه الكتاب بمنزلة الشيء المظروف في الكتاب كما تقول : لنا درس في كتاب سيبويه .