الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
75
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ووجه المشابهة بين حالهم وحال أصحاب الجنّة المذكورة هنا هو الإعراض عن طلب مرضاة اللّه وعن شكر نعمته . وهذا التمثيل تعريض بالتهديد بأن يلحقهم ما لحق أصحاب الجنة من البؤس بعد النعيم والقحط بعد الخصب ، وإن اختلف السبب في نوعه فقد اتحد جنسه . وقد حصل ذلك بعد سنين إذ أخذهم اللّه بسبع سنين بعد هجرة النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة . وهذه القصة المضروب بها المثل قصة معروفة بينهم وهي أنه كانت ببلد يقال له : ضروان ( بضاد معجمة وراء وواو مفتوحات وألف ونون ) من بلاد اليمن بقرب صنعاء . وقيل : ضروان اسم هذه الجنة ، وكانت جنّة عظيمة غرسها رجل من أهل الصلاح والإيمان من أهل الكتاب قاله ابن عباس . ولم يبين من أي أهل الكتاب هو : أمن اليهود أم من النصارى ؟ فقيل : كان يهوديا ، أي لأن أهل اليمن كانوا تديّنوا باليهودية من عهد بلقيس كما قيل أو بعدها بهجرة بعض جنود سليمان ، وكانت زكاة الثمار من شريعة التوراة كما في الإصحاح السادس والعشرين من سفر اللاويين . وقال بعض المفسرين : كان أصحاب هذه الجنة بعد عيسى بقليل ، أي قبل انتشار النصرانية في اليمن لأنها ما دخلت اليمن إلّا بعد دخول الأحباش إلى اليمن في قصة القليس وكان ذلك زمان عام الفيل . وعن عكرمة : كانوا من الحبشة كانت لأبيهم جنة وجعل في ثمرها حقا للمساكين وكان يدخل معه المساكين ليأخذوا من ثمارها فكان يعيش منها اليتامى والأرامل والمساكين وكان له ثلاثة بنين ، فلما توفي صاحب الجنة وصارت لأولاده أصبحوا ذوي ثروة وكانوا أشحة أو كان بعضهم شحيحا وبعضهم دونه فتمالئوا على حرمان اليتامى والمساكين والأرامل وقالوا : لنغدون إلى الجنة في سدفة من الليل قبل انبلاج الصباح مثل وقت خروج الناس إلى جناتهم للجذاذ فلنجذنها قبل أن يأتي المساكين . فبيتوا ذلك وأقسموا أيمانا على ذلك ، ولعلهم أقسموا ليلزموا أنفسهم بتنفيذ ما تداعوا إليه . وهذا يقتضي أن بعضهم كان مترددا في موافقتهم على ما عزموا عليه وأنهم ألجموه بالقسم وهذا الذي يلتئم مع قوله تعالى : قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ [ القلم : 28 ] ، قيل كان يقول لهم : اتقوا اللّه واعدلوا عن خبث نيتكم من منع المساكين ، وذكرهم انتقام اللّه من المجرمين ، أي فغلبوه ومضوا لما عزموا عليه ، ولعلهم أقسموا على أن يفعلوا وأقسموا عليه أن يفعل معهم ذلك فأقسم معهم أو وافقهم على ما أقسموا عليه ، ولهذا الاعتبار أسند القسم إلى جميع أصحاب الجنة .