الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

69

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقع مثله في قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « وأمّا الآخر فكان يمشي بالنميمة » . والنميم : اسم مرادف للنميمة ، وقيل : النميم جمع نميمة ، أي اسم جمع لنميمة إذا أريد بها الواحدة وصيرورتها اسما . [ 12 ] [ سورة القلم ( 68 ) : آية 12 ] مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ( 12 ) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ . هذه مذمة خامسة . مَنَّاعٍ : شديد المنع . والخير : المال ، أي شحيح ، والخير من أسماء المال قال تعالى : وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [ العاديات : 8 ] وقال : إِنْ تَرَكَ خَيْراً [ البقرة : 180 ] ، وقد روعي تماثل الصيغة في هذه الصفات الأربع وهي حَلَّافٍ ، هَمَّازٍ ، مَشَّاءٍ ، مَنَّاعٍ وهو ضرب من محسن الموازنة . والمراد بمنع الخير : منعه عمن أسلم من ذويهم وأقاربهم ، يقول الواحد منهم لمن أسلم من أهله أو مواليه : من دخل منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبدا ، وهذه شنشنة عرفوا بها من بعد ، قال اللّه تعالى في شأن المنافقين هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [ المنافقون : 7 ] . وأيضا فمن منع الخير ما كان أهل الجاهلية يعطون العطاء للفخر والسمعة فلا يعطون الضعفاء وإنما يعطون في المجامع والقبائل قال تعالى : وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ [ الفجر : 18 ] . قيل : كان الوليد بن المغيرة ينفق في الحج في كل حجة عشرين ألفا يطعم أهل منى ، ولا يعطي المسكين درهما واحدا . مُعْتَدٍ أَثِيمٍ . هما مذمتان سادسة وسابعة قرن بينهما لمناسبة الخصوص والعموم . والاعتداء : مبالغة في العدوان فالافتعال فيه للدلالة على الشدة . والأثيم : كثير الإثم ، وهو فعيل من أمثلة المبالغة قال تعالى : إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ [ الدخان : 43 - 44 ] . والمراد بالإثم هنا ما يعد خطيئة وفسادا عند أهل العقول والمروءة وفي الأديان المعروفة . قال أبو حيان : وجاءت هذه الصفات صفات مبالغة ونوسب فيها فجاء حَلَّافٍ