الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
50
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بالاستفهام الذي في جملة جواب الشرط ، فتقدير الكلام : أرأيتم أنفسكم ناجين من عذاب أليم إن هلكت وهلك من معي ، فهلاكنا لا يدفع عنكم العذاب المعدّ للكافرين . وأقحم الشرط بين فعل الرؤية وما سدّ مسد مفعوليه . والفاء في قوله : فَمَنْ يَأْتِيكُمْ [ الملك : 30 ] رابطة لجواب الشرط لأنه لما وقع بعد ما أصله المبتدأ والخبر وهو المفعولان المقدّران رجّح جانب الشرط . والمعية في قوله : وَمَنْ مَعِيَ معية مجازية ، وهي الموافقة والمشاركة في الاعتقاد والدين ، كما في قوله تعالى : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ [ الفتح : 29 ] الآية ، أي الذين آمنوا معه ، وقوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ [ التحريم : 8 ] كما أطلقت على الموافقة في الرأي والفهم في قول أبي هريرة : « أنا مع ابن أخي » ، يعني موافق لأبي سلمة بن عبد الرحمن ، وذلك حين اختلف أبو سلمة وابن عباس في المتوفّى عنها الحامل إذا وضعت حملها قبل مضي عدة الوفاة . والاستفهام بقوله : فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ إلخ إنكاري ، أي لا يجيرهم منه مجير ، أي أظننتم أن تجدوا مجيرا لكم إذا هلكنا فذلك متعذر فما ذا ينفعكم هلاكنا . والعذاب المذكور هنا ما عبّر عنه بالوعد في الآية قبلها . وتنكير عَذابٍ للتهويل . والمراد ب الْكافِرِينَ جميع الكافرين فيشمل المخاطبين . والكلام بمنزلة التذييل ، وفيه حذف ، تقديره : من يجيركم من عذاب فإنكم كافرون ولا مجير للكافرين . وذكر وصف الْكافِرِينَ لما فيه من الإيماء إلى علة الحكم لأنه وصف إذا علق به حكم أفاد تعليل ما منه اشتقاق الوصف . وقرأ الجمهور بفتحة على ياء أَهْلَكَنِيَ ، وقرأها حمزة بإسكان الياء . وقرأ الجمهور ياء مَعِيَ بفتحة . وقرأها أبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي بسكون الياء . [ 29 ] [ سورة الملك ( 67 ) : آية 29 ] قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 29 )