الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

46

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ [ الملك : 24 ] انحصر عنادهم في مضمون قوله : وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [ الملك : 24 ] فإنهم قد جحدوا البعث وأعلنوا بجحده وتعجبوا من إنذار القرآن به ، وقال بعضهم لبعض هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [ سبأ : 87 ] وكانوا يقولون : مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ سبأ : 29 ] واستمروا على قوله ، فلذلك حكاه اللّه عنهم بصيغة المضارع المقتضية للتكرير . و الْوَعْدُ مصدر بمعنى اسم المفعول ، أي متى هذا الوعد فيجوز أن يراد به الحشر المستفاد من قوله : وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [ الملك : 24 ] فالإشارة إليه بقوله : هذَا ظاهرة ، ويجوز أن يراد به وعد آخر بنصر المسلمين ، فالإشارة إلى وعيد سمعوه . والاستفهام بقولهم : مَتى هذَا الْوَعْدُ مستعمل في التهكم لأن من عادتهم أن يستهزءوا بذلك قال تعالى : فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ [ الإسراء : 51 ] وأتوا بلفظ الْوَعْدُ استنجازا له لأن شأن الوعد الوفاء . وضمير الخطاب في : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ للنبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين لأنهم يلهجون بإنذارهم بيوم الحشر ، وتقدم نظيره في سورة سبأ . وأمر اللّه رسوله بأن يجيب سؤالهم بجملة على خلاف مرادهم بل على ظاهر الاستفهام عن وقت الوعد على طريقة الأسلوب الحكيم ، بأن وقت هذا الوعد لا يعلمه إلّا اللّه ، فقوله : قُلْ هنا أمر بقول يختص بجواب كلامهم وفصل دون عطف بجريان المقول في سياق المحاورة ، ولم يعطف فعل قُلْ بالفاء جريا على سنن أمثاله الواقعة في المجاوبة والمحاورة ، كما تقدم في نظائره الكثيرة وتقدم عند قوله تعالى : قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها في سورة البقرة [ 30 ] . ولام التعريف في الْعِلْمُ للعهد ، أي العلم بوقت هذا الوعد . وهذه هي اللام التي تسمى عوضا عن المضاف إليه ، وهذا قصر حقيقي . وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ قصر إضافي ، أي ما أنا إلّا نذير بوقوع هذا الوعد لا أتجاوز ذلك إلى كوني عالما بوقته . والمبين : اسم فاعل من أبان المتعدي ، أي مبين لما أمرت بتبليغه .