الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
403
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ [ الواقعة : 43 ، 44 ] . وجرّ ظَلِيلٍ على النعت ل ظِلٍّ ، وأقحمت لا فصارت من جملة الوصف ولا يظهر فيها إعراب كما تقدم في قوله تعالى : إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ [ البقرة : 68 ] وشأن لا إذا أدخلت في الوصف أن تكرر فلذلك أعيدت في قوله : وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ . والإغناء : جعل الغير غنيا ، أي غير محتاج في ذلك الغرض ، وتعديته ب ( من ) على معنى البدلية أو لتضمينه معنى : يبعد ، ومثله قوله تعالى : وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [ يوسف : 67 ] . وبذلك سلب عن هذا الظل خصائص الظلال لأن شأن الظل أن ينفس عن الذي يأوي إليه ألم الحر . [ 32 - 33 ] [ سورة المرسلات ( 77 ) : الآيات 32 إلى 33 ] إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ( 32 ) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ ( 33 ) يجوز أن يكون هذا من تمام ما يقال للمكذبين الذين قيل لهم : انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [ المرسلات : 29 ] ، فإنهم بعد أن حصل لهم اليأس مما ينفّس عنهم ما يلقون من العذاب ، وقيل لهم : انطلقوا إلى دخان جهنم ربما شاهدوا ساعتئذ جهنم تقذف بشررها فيروعهم المنظر ، أو يشاهدونها عن بعد لا تتضح منه الأشياء وتظهر عليهم مخائل توقعهم أنهم بالغون إليه فيزدادون روعا وتهويلا ، فيقال لهم : إن جهنم تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ . ويجوز أن يكون اعتراضا في أثناء حكاية حالهم ، أو في ختام حكاية حالهم . فضمير إِنَّها عائد إلى جهنم التي دل عليها قوله : ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ كما يقال للذي يساق إلى القتل وقد رأى رجلا بيده سيف فاضطرب لرؤيته فيقال له : إنه الجلّاد . وإجراء تلك الأوصاف في الإخبار عنها لزيادة الترويع والتهويل ، فإن كانوا يرون ذلك الشرر لقربهم منه فوصفه لهم لتأكيد الترويع والتهويل بتظاهر السمع مع الرؤية . وإن كانوا على بعد منه فالوصف للكشف عن حاله الفظيعة . وتأكيد الخبر ب ( إنّ ) للاهتمام به لأنهم حينئذ لا يشكون في ذلك سواء رأوه أو أخبروا به . والشرر : اسم جمع شررة : وهي القطعة المشتعلة من دقيق الحطب يدفعها لهب النار