الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

399

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بالتخفيف قدرا فهو قادر ، إذا جعل الشيء على مقدار مناسب لما جعل له . والمعنى : فقدرنا الخلق كقوله تعالى : مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ [ عبس : 19 ] وقوله : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [ الفرقان : 2 ] . والفاء في قوله : فَقَدَرْنا للتفريع على قوله : فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ، أي جعلناه في الرحم إلى انتهاء أمد الحمل فقدرنا أطوار خلقكم حتى أخرجناكم أطفالا . والفاء في فَنِعْمَ الْقادِرُونَ للتفريع على ( قدّرنا ) أي تفريع إنشاء ثناء ، أي فدل تقديرنا على أننا نعم القادرون ، أي كان تقديرنا تقدير أفضل قادر ، وهذا تنويه بذلك الخلق العجيب بالقدرة . و الْقادِرُونَ : اسم فاعل من قدر اللازم إذا كان ذا قدرة وبذلك يكون الكلام تأسيسا لا تأكيدا ، أي فنعم القادرون على الأشياء . وعلامة الجمع للتعظيم مثل نون ( قدّرنا ) فإن القدرة لما أتت بما هو مقتضى الحكمة كانت قدرة جديرة بالمدح . [ 24 ] [ سورة المرسلات ( 77 ) : آية 24 ] وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 24 ) هو نحو ما تقدم في نظيره الموالي هو له . [ 25 - 27 ] [ سورة المرسلات ( 77 ) : الآيات 25 إلى 27 ] أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً ( 25 ) أَحْياءً وَأَمْواتاً ( 26 ) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً ( 27 ) جاء هذا التقرير على سنن سابقيه في عدم العطف لأنه على طريقة التكرير للتوبيخ ، وهو تقرير لهم بما أنعم اللّه به عليهم من خلق الأرض لهم بما فيها مما فيه منافعهم كما قال تعالى : مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ [ النازعات : 33 ] . ومحلّ الامتنان هو قوله : أَحْياءً وأمّا قوله : وَأَمْواتاً فتتميم وإدماج . وكفات : اسم للشيء الذي يكفت فيه ، أي يجمع ويضمّ فيه ، فهو اسم جاء على صيغة الفعال من كفت ، إذا جمع ، ومنه سمي الوعاء : كفاتا ، كما سمي ما يعي الشيء وعاء ، وما يضم الشيء : الضمام .