الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

397

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و ( المجرمون ) من ألقاب المشركين في اصطلاح القرآن قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ [ المطففين : 29 ] وسيأتي في هذه السورة كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ [ المرسلات : 46 ] . [ 19 ] [ سورة المرسلات ( 77 ) : آية 19 ] وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 19 ) تقرير لنظيره المتقدم تأكيدا للتهديد وإعادة لمعناه . التهديد : من مقامات التكرير كقول الحارث بن عياد : قرّبا مربط النعامة مني الذي كرّره مرارا متوالية في قصيدته اللامية التي أثارت حرب البسوس . فعلى الوجه الأول في موقع جملة وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يقدر الكلام المعوض عنه تنوين يَوْمَئِذٍ يوم إذ يقال لهم أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ [ المرسلات : 16 ] . والمراد بالمكذبين : المخاطبون فهو إظهار في مقام الإضمار لتسجيل أنهم مكذبون ، والمعنى : ويل يومئذ لكم . وعلى الوجه الثاني في موقع الجملة يقدر المحذوف المعرض عنه التنوين : يوم إذ النُّجُومُ طُمِسَتْ [ المرسلات : 8 ] إلخ ، فتكون الجملة تأكيدا لفظيا لنظيرتها التي تقدمت . والمراد بالمكذبين جميع المكذبين الشامل للسامعين . وعلى الاعتبارين فتقرير معنى الجملتين حاصل لأن اليوم يوم واحد ولأن المكذبين يصدق بالأحياء وبأهل المحشر . [ 20 - 23 ] [ سورة المرسلات ( 77 ) : الآيات 20 إلى 23 ] أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 20 ) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 21 ) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 22 ) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ( 23 ) تقرير أيضا يجري فيه ما تقدم في قوله : أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ، جيء به على طريقة تعداد الخطاب في مقام التوبيخ والتقريع . وكل من التقرير والتقريع من مقتضيات ترك العطف لشبهه بالتكرير في أنه تكرير معنى وإن لم يكن تكرير لفظ ، والتكرير شبيه بالأعداد المسرودة فكان حقه ترك العطف فيه .