الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

394

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ويجيء على القولين أن يكون قوله : لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ استئنافا ، وتجعل ( أيّ ) اسم استفهام مستعمل للتهويل كما درج عليه جمهور المفسرين الذين صرّحوا ولم يجملوا ، والذي يظهر لي أن تكون ( أيّ ) موصولة دالّة على التعظيم والتهويل وهو ما يعبر عنه بالدّال على معنى الكمال وتكون صفة لموصوف محذوف يدل عليه ما أضيفت إليه ( أيّ ) وتقديره : ليوم أيّ يوم ، أي ليوم عظيم . ويكون معنى أُقِّتَتْ حضر ميقاتها الذي وقّت لها ، وهو قول ابن عباس جمعت ، وفي « اللسان » على الفراء : أُقِّتَتْ جمعت لوقتها ، وذلك قول اللّه تعالى : يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ [ المائدة : 109 ] وقوله : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [ النساء : 41 ] . ويكون اللام في قوله : لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لام التعليل ، أي جمعت لأجل اليوم الذي أجّلت إليه . وجملة أُجِّلَتْ صفة ليوم ، وحذف العائد لظهوره ، أي أجّلت إليه . وقوله : لِيَوْمِ الْفَصْلِ بدل من لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ بإعادة الحرف الذي جرّ به المبدل منه كقوله تعالى : تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا [ المائدة : 114 ] أي أحضرت الرسل ليوم عظيم هو يوم الفصل . والظاهر أن المبدل منه والبدل دليلان على جواب ( إذا ) من قوله فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ إلخ ، إذ يعلم أن المعنى إذا حصل جميع ما ذكر فذلك وقوع ما توعدون . وجملة لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ قد علمت آنفا الوجه الوجيه في معناها . ومن المفسرين من جعلها مقول قول محذوف : يقال يوم القيامة ، ولا داعي إليه . و الْفَصْلِ : تمييز الحق من الباطل بالقضاء والجزاء إذ بذلك يزول الالتباس والاشتباه والتمويه الذي كان لأهل الضلال في الدنيا فتتضح الحقائق على ما هي عليه في الواقع . وجملة وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ في موضع الحال من يوم الفصل ، والواو واو الحال والرابط لجملة الحال إعادة اسم صاحب الحال عوضا عن ضميره ، مثل الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ [ القارعة : 1 ، 2 ] . والأصل : وما أدراك ما هو ، وإنما أظهر في مقام الإضمار لتقوية استحضار يوم الفصل قصدا لتهويله . و ما استفهامية مبتدأ و أَدْراكَ خبر ، أي أعلمك . و ما يَوْمُ الْفَصْلِ استفهام علق به فعل أَدْراكَ عن العمل في مفعولين ، و ما الاستفهامية مبتدأ أيضا و