الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
390
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و عَصْفاً مؤكد للوصف تأكيدا لتحقيق الوصف ، إذ لا داعي لإرادة رفع احتمال المجاز . والنشر : حقيقته ضد الطي ويكثر استعماله مجازا في الإظهار والإيضاح وفي الإخراج . ف النَّاشِراتِ إذا جعل وصفا للملائكة جاز أن يكون نشرهم الوحي ، أي تكرير نزولهم لذلك ، وأن يكون النشر كناية عن الوضوح ، أي بالشرائع البينة . وإذا جعل وصفا للرياح فهو نشر السحاب في الأجواء فيكون عطفه بالواو دون الفاء لتنبيه على أنه معطوف على الْمُرْسَلاتِ لا على فَالْعاصِفاتِ لأن العصف حالة مضرة والنشر حالة نفع . والقول في تأكيد نَشْراً وتنوينه كالقول في عَصْفاً . والفرق : التمييز بين الأشياء ، فإذا كان وصفا للملائكة فهو صالح للفرق الحقيقي مثل تمييز أهل الجنة عن أهل النار يوم الحساب ، وتمييز الأمم المعذبة في الدنيا عن الذين نجاهم اللّه من العذاب ، مثل قوم نوح عن نوح ، وعاد عن هود ، وقوم لوط عن لوط وأهله عدا امرأته ، وصالح للفرق المجازي ، وهو أنهم يأتون بالوحي الذي يفرق بين الحق والباطل ، وبين الإيمان والكفر . وإن جعل وصفا للرياح فهو من آثار النشر ، أي فرقها جماعات السحب على البلاد . ولتفرع الفرق بمعنييه عن النشر بمعانيه عطف فَالْفارِقاتِ على النَّاشِراتِ بالفاء . وأكد بالمفعول المطلق كما أكد ما قبله بقوله : عَصْفاً و نَشْراً ، وتنوينه كذلك . والملقيات : الملائكة الذين يبلغون الوحي وهو الذكر . والإلقاء مستعار لتبليغ الذكر من العالم العلوي إلى أهل الأرض بتشبيهه بإلقاء شيء من اليد إلى الأرض . وإلقاء الذكر تبليغ المواعظ إلى الرسل ليبلغوها إلى الناس وهذا الإلقاء متفرع على الفرق لأنهم يخصّون كل ذكر بمن هو محتاج إليه ، فذكر الكفار بالتهديد والوعيد بالعذاب ، وذكر المؤمنين بالثناء والوعد بالنعيم . وهذا معنى عُذْراً أَوْ نُذْراً . فالعذر : الإعلام بقبول إيمان المؤمنين بعد الكفر ،