الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
370
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والإستبرق : الديباج الغليظ وتقدما عند قوله تعالى : وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ في سورة الكهف [ 31 ] وهما معرّبان . فأما السندس فمعرب عن اللغة الهندية وأصله ( سندون ) بنون في آخره ، قيل : إن سبب هذه التسمية أنه جلب إلى الإسكندر ، وقيل له : إن اسمه ( سندون ) فصيره للغة اليونان سندوس ( لأنهم يكثرون تنهية الأسماء بحرف السين ) وصيّره العرب سندسا . وفي « اللسان » : أن السندس يتخذ من المرعزّى ( كذا ضبطه مصححه ) والمعروف المرعز كما في « التذكرة » و « شفاء الغليل » . وفي « التذكرة » المرعز : ما نعم وطال من الصوف ا ه . فلعله صوف حيوان خاص فيه طول أو هو من نوع الشعر ، والظاهر أنه لا يكون إلّا أخضر اللون لقول يزيد بن حذاق العبدي يصف مرعى فرسه : وداويتها حتى شتت حبشيّة * كأنّ عليها سندسا وسدوسا أي في أرض شديدة الخضرة كلون الحبشي . وفي « اللسان » : السدوس الطيلسان الأخضر . ولقول أبي تمّام يرثي محمد بن حميد النبهاني الطوسي : تردّى ثياب الموت حمرا فما أتى * لها الليل إلّا وهي من سندس خضر وأما الإستبرق فنسج من نسج الفرس واسمه فارسي ، وأصله في الفارسية : استقره . والمعنى : أن فوقهم ثيابا من الصنفين يلبسون هذا وذاك جمعا بين محاسن كليهما ، وهي أفخر لباس الملوك وأهل الثروة . ولون الأخضر أمتع للعين وكان من شعار الملوك ، قال النابغة يمدح ملوك غسان : يصونون أجسادا قديما نعيمها * بخالصة الأردان خضر المناكب والظاهر أن السندس كان لا يصبغ إلّا أخضر اللون . وقرأ نافع وحفص خُضْرٌ بالرفع على الصفة ل ثِيابُ . و إِسْتَبْرَقٌ بالرفع أيضا على أنه معطوف على ثِيابُ بقيد كونها من سندس فمعنى عاليهم إستبرق : أن الإستبرق لباسهم . وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم خُضْرٌ بالجر نعتا ل سُندُسٍ ، و إِسْتَبْرَقٌ بالرفع عطفا على ثِيابُ . وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب خُضْرٌ بالرفع و إِسْتَبْرَقٌ بالجر