الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

364

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

آنيتهم من المعدنين النفيسين لئلا يفوتهم ما في كل من الحسن والجمال ، أو يطاف عليهم بآنية من فضة وآنية من ذهب متنوعة متزاوجة لأن ذلك أبهج منظرا مثل ما قال مرة وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ [ الإنسان : 21 ] ، ومرة يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ [ الكهف : 31 ] ، وذلك لإدخال المسرّة على أنفسهم بحسن المناظر فإنهم كانوا يتمنونها في الدنيا لعزة وجودها أو وجود الكثير منها ، وأوثر ذكر آنية الفضة هنا لمناسبة تشبيهها بالقوارير في البياض . والقوارير : جمع قارورة ، وأصل القارورة إناء شبه كوز ، قيل : لا تسمى قارورة إلّا إذا كانت من زجاج ، وقيل مطلقا وهو الذي ابتدأ به صاحب « القاموس » . وسميت قارورة اشتقاقا من القرار وهو المكث في المكان وهذا وزن غريب . والغالب أن اسم القارورة للإناء من الزجاج ، وقد يطلق على ما كان من زجاج وإن لم يكن إناء كما في قوله تعالى : قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ [ النمل : 44 ] وقد فسر قوله : قَوارِيرَا في هذه الآية بأنها شبيهة بالقوارير في صفاء اللون والرقة حتى كأنها تشفّ عما فيها . والتنافس في رقة آنية الخمر معروف عند شاربيها قال الأعشى : تريك القذى من دونها وهي دونه * إذا ذاقها من ذاقها يتمطق وفعل كانَتْ هنا تشبيه بليغ ، والمعنى : إنها مثل القوارير في شفيفها ، وقرينة ذلك قوله : مِنْ فِضَّةٍ ، أي هي من جنس الفضة في لون القوارير لأن قوله مِنْ فِضَّةٍ حقيقة فإنه قال قبله بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ . ولفظ قَوارِيرَا الثاني ، يجوز أن يكون تأكيدا لفظيا لنظيره لزيادة تحقيق أن لها رقة الزجاج فيكون الوقف على قَوارِيرَا الأول . ويجوز أن يكون تكريرا لإفادة التصنيف فإن حسن التنسيق في آنية الشراب من مكملات رونق مجلسه ، فيكون التكرير مثل ما في قوله تعالى : وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [ الفجر : 22 ] وقول الناس : قرأت الكتاب بابا بابا فيكون الوقف على قَوارِيرَا الثاني . وكتب في المصحف قَوارِيرَا قَوارِيرَا بألف في آخر كلتا الكلمتين التي هي علامة تنوين . وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر قَوارِيرَا الأول والثاني منونين