الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

360

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

على ما فعلوا من خير . وأدمج في ذلك قوله : بِما صَبَرُوا الجامع لأحوال التقوى والعمل الصالح كله لأن جميعه لا يخلو عن تحمل النفس لترك محبوب أو فعل ما فيه كلفة ، ومن ذلك إطعام الطعام على حبه . و لَقَّاهُمْ معناه : جعلهم يلقون نضرة وسرورا ، أي جعل لهم نضرة وهي حسن البشرة ، وذلك يحصل من فرح النفس ورفاهية العيش قال تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ [ القيامة : 22 ] فمثل إلقاء النضرة على وجوههم بزجّ أحد إلى لقاء أحد على طريقة التمثيل . وضمير الغائبة و نَضْرَةً مفعولا ( لقى ) من باب كسا . وبين ( وقاهم ) و لَقَّاهُمْ الجناس المحرّف . وجملة وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ، عطف على جملة فَوَقاهُمُ وجملة وَلَقَّاهُمْ لتماثل الجمل الثلاث في الفعلية والمضيّ وهما محسنان من محسنات الوصل . والحرير : اسم لخيوط من مفرزات دودة مخصوصة ، وتقدم الكلام عليه في سورة فاطر . وكان الجزاء برفاهية العيش إذ جعلهم في أحسن المساكن وهو الجنة ، وكساهم أحسن الملابس وهو الحرير الذي لا يلبسه إلّا أهل فرط اليسار ، فجمع لهم حسن الظرف الخارج وحسن الظرف المباشر وهو اللباس . والمراد بالحرير هنا : ما ينسج منه . و مُتَّكِئِينَ : حال من ضمير الجمع في جَزاهُمْ ، أي هم في الجنة متكئون على الأرائك . والاتكاء : جلسة بين الجلوس والاضطجاع يستند فيها الجالس على مرفقه وجنبه ويمد رجليه وهي جلسة ارتياح ، وكانت من شعار الملوك وأهل البذخ ، ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أمّا أنا فلا آكل متكئا » وتقدم ذلك في سورة يوسف [ 31 ] عند قوله تعالى : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً . و الْأَرائِكِ : جمع أريكة بوزن سفينة . والأريكة : سرير عليه وسادة معها ستر وهو حجلته ، والحجلة بفتحتين وبتقديم الحاء المهملة على الجيم : كلّة تنصب فوق السرير لتقي