الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

36

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الجوّ بواسطة تحريك جناحيه وذلك سرّ قوله تعالى : يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [ الأنعام : 38 ] بعد قوله : وَلا طائِرٍ في [ سورة الأنعام : 38 ] لقصد تصوير تلك الحالة . الوصف الثاني : صافَّاتٍ وهو وصف بوزن اسم الفاعل مشتق من الصّف ، وهو كون أشياء متعددة متقاربة الأمكنة وباستواء ، وهو قاصر ومتعد ، يقال : صفّوا ، بمعنى اصطفوا كما حكى اللّه عن الملائكة : وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ [ الصافات : 165 ] وقال تعالى في البدن فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ [ الحج : 36 ] . ويقال : صفهم إذا جعلهم مستوين في الموقف ، وفي حديث ابن عباس في الجنائز « مرّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقبر منبوذ » إلى قوله : « فصفّنا خلفه وكبّر » . والمراد هنا أن الطير صافّة أجنحتها فحذف المفعول لعلمه من الوصف الجاري على الطير إذ لا تجعل الطير أشياء مصفوفة إلّا ريش أجنحتها عند الطيران فالطائر إذا طار بسط جناحيه ، أي مدها فصفّ ريش الجناح فإذا تمدد الجناح ظهر ريشه مصطفّا فكان ذلك الاصطفاف من أثر فعل الطير فوصفت به ، وتقدم عند قوله تعالى : وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ في سورة النور [ 41 ] . وبسط الجناحين يمكّن الطائر من الطيران فهو كمدّ اليدين للسابح في الماء . الوصف الثالث : وَيَقْبِضْنَ وهو عطف على صافَّاتٍ من عطف الفعل على الاسم الشبيه بالفعل في الاشتقاق وإفادة الاتصاف بحدوث المصدر في فاعله ، فلم يفت بعطفه تماثل المعطوفين في الاسمية والفعلية الذي هو من محسنات الوصل . والقبض : ضد البسط . والمراد به هنا ضد الصّف المذكور قبله ، إذ كان ذلك الصف صادقا على معنى البسط ومفعوله المحذوف هنا هو عين المحذوف في المعطوف عليه ، أي قابضات أجنحتهن حين يدنينها من جنوبهن للازدياد من تحريك الهواء للاستمرار في الطيران . وأوثر الفعل المضارع في يَقْبِضْنَ لاستحضار تلك الحالة العجيبة وهي حالة عكس بسط الجناحين إذ بذلك العكس يزداد الطيران قوة امتداد زمان . وجيء في وصف الطير ب صافَّاتٍ بصيغة الاسم لأن الصف هو أكثر أحوالها عند الطيران فناسبه الاسم الدال على الثبات ، وجيء في وصفهن بالقبض بصيغة المضارع لدلالة الفعل على التجدد ، أي ويجددن قبض أجنحتهن في خلال الطيران للاستعانة بقبض