الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

353

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والكأس : بالهمزة الإناء المجعول للخمر فلا يسمى كأسا إلّا إذا كان فيه خمر ، وقد تسمى الخمر كأسا على وجه المجاز المرسل بهذا الاعتبار كما سيجيء قريبا قوله تعالى : وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا [ الإنسان : 17 ] فيجوز أن يراد هنا آنية الخمر فتكون مِنْ للابتداء وإفراد كَأْسٍ للنوعية ، ويجوز أن تراد الخمر فتكون مِنْ للتبعيض . وعلى التقديرين فكأس مراد به الجنس وتنوينه لتعظيمه في نوعه . والمزاج : بكسر الميم ما يمزج به غيره ، أي يخلط وكانوا يمزجون الخمر بالماء إذا كانت الخمر معتقة شديدة ليخففوا من حدتها وقد ورد ذكر مزج الخمر في أشعار العرب كثيرا . وضمير مِزاجُها عائد إلى كَأْسٍ . فإذا أريد بالكأس إناء الخمر فالإضافة لأدنى ملابسة ، أي مزاج ما فيها ، وإذا أريدت الخمر فالإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله . والكافور : « زيت يستخرج من شجرة تشبه الدفلى تنبت في بلاد الصين وجاوة يتكون فيها إذا طالت مدتها نحوا من مائتي سنة فيغلّى حطبها ويستخرج منه زيت يسمى الكافور . وهو ثخن قد يتصلب فيصير كالزبد وإذا يقع حطب شجرة الكافور في الماء صار نبيذا يتخمر فيصير مسكرا . والكافور أبيض اللون ذكي الرائحة منعش . فقيل إن المزاج هنا مراد به الماء والإخبار عنه بأنه كافور من قبيل التشبيه البليغ ، أي في اللون أو ذكاء الرائحة ، ولعل الذي دعا بعض المفسرين إلى هذا أن المتعارف بين الناس في طيب الخمر أن يوضع المسك في جوانب الباطية قال النابغة : وتسقى إذا ما شئت غير مصرّد * بزوراء في حافاتها المسك كارع ويختم على آنية الخمر بخاتم من مسك كما في قوله تعالى في صفة أهل الجنة : يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ [ المطففين : 25 ، 26 ] . وكانوا يجعلون الفلفل في الخمر لحسن رائحته ولذعة حرارته لذعة لذيذة في اللسان ، كما قال امرؤ القيس : صبّحن سلافا من رحيق مفلفل ويحتمل أن يكونوا يمزجون الخمر بماء فيه الكافور أو بزيته فيكون المزاج في الآية