الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
338
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لن نجمع عظامه ويحسب أن نتركه في حالة العدم . وزيد هنا أن مقتضى الحكمة الإلهية إيقاعه بقوله : أَنْ يُتْرَكَ سُدىً كما ستعلمه . والاستفهام إنكاري مثل الذي سبقه في قوله تعالى : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ [ القيامة : 3 ] . وأصل معنى الترك : مفارقة شيء شيئا اختيارا من التّارك ، ويطلق مجازا على إهمال أحد شيئا وعدم عنايته بأحواله ويتعهده ، وهو هنا مستعمل في المعنى المجازي . والمراد بما يترك عليه الإنسان هنا ما يدل عليه السياق ، أي حال العدم دون إحياء مما دل عليه قوله تعالى : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ [ القيامة : 3 ] وقوله : يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ [ القيامة : 13 ] . وعدل عن بناء فعل يترك للفاعل فبني للنائب إيجازا لأجل العلم بالفاعل من قوله السابق : أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ فكأنه قال : أيحسب الإنسان أن نتركه دون بعث وأن نهمل أعماله سدى . فجاء ذكر سُدىً هنا على طريقة الإدماج فيما سيق له الكلام ، إيماء إلى أن مقتضى حكمة خلق الإنسان أن لا يتركه خالقه بعد الموت فلا يحييه ليجازيه على ما عمله في حياته الأولى . وفي إعادة أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ تهيئة لما سيعقب من دليل إمكان البعث من جانب المادة بقوله : أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً [ القيامة : 37 ] إلى آخر السورة . فقوله : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً تكرير وتعداد للإنكار على الكافرين تكذيبهم بالعبث ، ألا ترى أنه وقع بعد وصف يوم القيامة وما فيه من الحساب على ما قدّم الإنسان وأخّر . ومعنى هذا مثل قوله تعالى : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [ المؤمنون : 115 ] . و سُدىً بضم السين وبالقصر : اسم بمعنى المهمل ويقال : سدى بفتح السّين والضمّ أكثر وهو اسم يستوي فيه المفرد والجمع يقال : إبل سدىً ، وجمل سدىً ويشتق منه فعل فيقال : أسدى إبله وأسديت إبلي ، وألفه منقلبة عن الواو .