الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
335
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وفعل صَدَّقَ مشتق من التصديق ، أي تصديق الرسول صلى اللّه عليه وسلم والقرآن وهو المناسب لقوله : وَلكِنْ كَذَّبَ . والمعنى : فلا آمن بما جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلم . وبعض المفسرين فسّر صَدَّقَ بمعنى أعطى الصّدقة ، وهو غير جار على قياس التصريف إذ حقه أن يقال : تصدق ، على أنه لا يساعد الاستدراك في قوله : وَلكِنْ كَذَّبَ . وعطف وَلا صَلَّى على نفس التصديق تشويها له بأن حاله مبائن لأحوال أهل الإسلام . والمعنى : فلم يؤمن ولم يسلم . و لا نافية دخلت على الفعل الماضي والأكثر في دخولها على الماضي أن يعطف عليها نفي آخر وذلك حين يقصد المتكلم أمرين مثل ما هنا وقول زهير : فلا هو أخفاها ولم يتقدم وهذا معنى قول الكسائي « ( لا ) بمعنى ( لم ) ولكنه يقرن بغيره يقول العرب : لا عبد اللّه خارج ولا فلان ، ولا يقولون : مررت برجل لا محسن حتى يقال : ولا مجمل » ا ه فإذا لم يعطف عليه نفي آخر فلا يؤتى بعدها بفعل مضيّ إلّا في إرادة الدعاء نحو : « لا فضّ فوك » وشذ ما خالف ذلك . وأما قوله تعالى : فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [ البلد : 11 ] فإنّه على تأويل تكرير النّفي لأنّ مفعول الفعل المنفي بحرف لا وهو العقبة يتضمن عدة أشياء منفية بيّنها قوله : وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ إلى قوله : مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [ البلد : 12 - 17 ] . فلما كان ذلك متعلق الفعل المنفي كان الفعل في تأويل تكرير النفي كأنه قيل : فكّ رقبة ولا أطعم يتيما ولا أطعم مسكينا ولا آمن . وجملة وَلكِنْ كَذَّبَ معطوفة على جملة فَلا صَدَّقَ . وحرف لكِنْ المخفف النون بالأصالة أي الذي لم يكن مخفّف النون المشددة أخت ( إنّ ) هو حرف استدراك ، أي نقض لبعض ما تضمنته الجملة التي قبله إما لمجرد توكيد المعنى بذكر نقيضه مثل قوله تعالى : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [ الأحزاب : 5 ] ، وإما لبيان إجمال في النفي الذي قبله نحو ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ [ الأحزاب : 40 ] . وحرف لكِنْ المخفف لا يعمل إعرابا فهو حرف ابتداء ولذلك أكثر وقوعه بعد واو العطف وجملة وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أفادت معنيين : أحدهما توكيد قوله فَلا