الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
316
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أَلَّنْ نَجْمَعَ ، أي بل نجمعها في حال قدرتنا على أن نسوي بنانه . ويجوز أن يكون بَلى إبطالا للنفيين : النفي الذي أفاده الاستفهام الإنكاري من قوله أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ والنفي الذي في مفعول يَحْسَبُ ، وهو إبطال بزجر ، أي بل ليحسبنا قادرين ، لأن مفاد أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ أن لا نقدر على جمع عظامه فيكون قادِرِينَ مفعولا ثانيا ليحسبنا المقدر ، وعدل في متعلق قادِرِينَ عن أن يقال : قادرين على جمع عظامه إلى قادرين على أن نسوي بنانه لأنه أوفر معنى وأوفق بإرادة إجمال كيفية البعث والإعادة . ولمراعاة هذه المعاني عدل عن رفع : قادرون ، بتقدير : نحن قادرون ، فلم يقرأ بالرفع . والتسوية : تقويم الشيء وإتقان الخلق قال تعالى : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها [ الشمس : 7 ] وقال في هذه السورة : فَخَلَقَ فَسَوَّى [ القيامة : 38 ] . وأريد بالتسوية إعادة خلق البنان مقوّمة متقنة ، فالتسوية كناية عن الخلق لأنها تستلزمه فإنه ما سوّي إلّا وقد أعيد خلقه قال تعالى : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [ الأعلى : 2 ] . والبنان : أصابع اليدين والرجلين أو أطراف تلك الأصابع . وهو اسم جمع بنانة . وإذ كانت هي أصغر الأعضاء الواقعة في نهاية الجسد كانت تسويتها كناية عن تسوية جميع الجسد لظهور أن تسوية أطراف الجسد تقتضي تسوية ما قبلها كما تقول : قلعت الريح أوتاد الخيمة كناية عن قلعها الخيمة كلّها فإنه قد يكنّى بأطراف الشيء عن جميعه . ومنه قولهم : لك هذا الشيء بأسره ، أي مع الحبل الذي يشد به ، كناية عن جميع الشيء . وكذلك قولهم : هو لك برمته ، أي بحبله الذي يشد به . [ 5 ] [ سورة القيامة ( 75 ) : آية 5 ] بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ ( 5 ) بَلْ إضراب انتقالي إلى ذكر حال آخر من أحوال فجورهم ، فموقع الجملة بعد بَلْ بمنزلة الاستئناف الابتدائي للمناسبة بين معنى الجملتين ، أي لمّا دعوا إلى الإقلاع عن الإشراك وما يستدعيه من الآثام وأنذروا بالعقاب عليه يوم القيامة كانوا مصممين على الاسترسال في الكفر . والفجور : فعل السوء الشديد ويطلق على الكذب ، ومنه وصفت اليمين الكاذبة