الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

287

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بالفاء فقد توهموا . و قُتِلَ : دعاء عليه بأن يقتله قاتل ، أي دعاء عليه بتعجيل موته لأن حياته حياة سيئة . وهذا الدعاء مستعمل في التعجيب من ماله والرثاء له كقوله : قاتَلَهُمُ اللَّهُ [ التوبة : 30 ] وقولهم : عدمتك ، وثكلته أمّه ، وقد يستعمل مثله في التعجيب من حسن الحال يقال : قاتله اللّه ما أشجعه . وجعله الزمخشري كناية عن كونه بلغ مبلغا يحسده عليه المتكلم حتى يتمنى له الموت . وأنا أحسب أن معنى الحسد غير ملحوظ وإنما ذلك مجرد اقتصار على ما في تلك الكلمة من التعجب أو التعجيب لأنها صارت في ذلك كالأمثال . والمقام هنا متعين للكناية عن سوء حاله لأن ما قدره ليس مما يغتبط ذوو الألباب على إصابته إذ هو قد ناقض قوله ابتداء إذ قال : ما هو بعقد السحرة ولا نفثهم وبعد أن فكّر قال : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ فناقض نفسه . وقوله : ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ تأكيد لنظيره المفرّع بالفاء . والعطف ب ثُمَّ يفيد أن جملتها أرقى رتبة من التي قبلها في الغرض المسوق له الكلام . فإذا كان المعطوف بها عين المعطوف عليه أفادت أن معنى المعطوف عليه ذو درجات متفاوتة مع أن التأكيد يكسب الكلام قوة . وهذا كقوله : كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ [ النبأ : 4 ، 5 ] . و كَيْفَ قَدَّرَ في الموضعين متحد المعنى وهو اسم استفهام دال على الحالة التي بينها متعلّق كَيْفَ . والاستفهام موجه إلى سامع غير معيّن يستفهم المتكلم سامعه استفهاما عن حالة تقديره ، وهو استفهام مستعمل في التعجيب المشوب بالإنكار على وجه المجاز المرسل . و كَيْفَ في محل نصب على الحال مقدمة على صاحبها لأن لها الصدر وعاملها قَدَّرَ . وقوله : ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ عطف على وَقَدَّرَ وهي ارتقاء متوال فيما اقتضى التعجيب من حاله والإنكار عليه . فالتراخي تراخي رتبة لا تراخي زمن لأن نظره وعبوسه وبسره وإدباره واستكباره مقارنة لتفكيره وتقديره . والنظر هنا : نظر العين ليكون زائدا على ما أفاده فَكَّرَ وَقَدَّرَ . والمعنى : نظر في وجوه الحاضرين يستخرج آراءهم في انتحال ما يصفون به القرآن . و عَبَسَ : قطّب وجهه لمّا استعصى عليه ما يصف به القرآن ولم يجد مغمزا مقبولا .