الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

267

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ في سورة النساء [ 101 ] . والابتغاء من فضل اللّه طلب الرزق قال تعالى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [ البقرة : 198 ] أي التجارة في مدة الحج ، فقوله تعالى : يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ مراد بالضرب في الأرض فيه السفر للتجارة لأن السير في الأسفار يكون في الليل كثيرا ويكون في النهار فيحتاج المسافر للنوم في النهار . وفرع عليه مثل ما فرع على الذي قبله فقال : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ أي من القرآن . وقد نيط مقدار القيام بالتيسير على جميع المسلمين وإن اختلفت الأعذار . وهذه الآية اقتضت رفع وجوب قيام الليل عن المسلمين إن كان قد وجب عليهم من قبل على أحد الاحتمالين ، أو بيان لم يوجب عليهم وكانوا قد التزموه فبين لهم أن ما التزموه من التأسّي بالنبيء صلى اللّه عليه وسلم في ذلك غير لازم لهم . وعلل عدم وجوبه عليهم بأن الأمة يكثر فيها أصحاب الأعذار التي يشق معها قيام الليل فلم يجعله اللّه واجبا عليهم أو رفع وجوبه . ولولا اعتبار المظنة العامة لأبقي حكم القيام ورخص لأصحاب العذر في مدة العذر فقط فتبين أن هذا تعليل الحكم الشرعي بالمظنة والحكم هنا عدمي ، أي عدم الإيجاب فهو نظير قصر الصلاة في السفر على قول عائشة أم المؤمنين : « إن الصلاة فرضت ركعتين ثم زيد في ثلاث من الصلوات في الحضر وأبقيت صلاة السفر » ، وعلة بقاء الركعتين هو مظنة المشقة في السفر . وأوجب الترخص في قيام الليل أنه لم يكن ركنا من أركان الإسلام فلم تكن المصلحة الدينية قوية فيه . وأما حكم القيام فهو ما دلّ عليه قوله : قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [ المزمل : 2 ] وما دلت عليه أدلة التحريض عليه من السنة . وقد مضى ذلك كله . فهذه الآية صالحة لأن تكون أصلا للتعليل بالمظنة وصالحة لأن تكون أصلا تقاس عليه الرخص العامة التي تراعى فيها مشقة غالب الأمة مثل رخصة بيع السلم دون الأحوال الفردية والجزئية . وقوله : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ تذكير بأن الصلوات الواجبة هي التي تحرصون على إقامتها وعدم التفريط فيها كما قال تعالى : إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً [ النساء : 103 ] . وفي هذا التعقيب بعطف الأمر بإقامة الصلاة إيماء إلى أن في الصلوات الخمس ما