الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

265

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقوله : ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ أي ما تيسر لكم من صلاة الليل فلا دلالة في هذه الآية على مقدار ما يجزئ من القراءة في الصلاة إذ ليس سياقها في هذا المهيع ، ولئن سلمنا ، فإن ما تيسر مجمل وقد بينه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب » ، وأما السورة مع الفاتحة فإنه لم يرو عنه أنه قرأ في الصلاة أقلّ من سورة ، وهو الواجب عند جمهور الفقهاء ، فيكره أن يقرأ المصلي بعض سورة في الفريضة . ويجوز في القيام بالقرآن في الليل وفي قيام رمضان ، وعند الضرورة ، ففي « الصحيح » « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يقرأ فأخذته بحّة فركع » ، أي في أثناء السّورة . وقال أبو حنيفة وأحمد في رواية عنه : تجزئ قراءة آية من القرآن ولو كانت قصيرة ومثّله الحنفية بقوله تعالى : مُدْهامَّتانِ [ الرحمن : 64 ] ولا تتعين فاتحة الكتاب وخالفه صاحباه في الأمرين . وتعيين من تجب عليه القراءة من منفرد وإمام ومأموم مبين في كتب الفقه . وفعل ( تاب ) إذا أريد به قبول توبة التائب عدي بحرف ( على ) لتضمينه معنى منّ وإذا كان بمعنى الرجوع عن الذنب والندم منه عدي بما يناسب . وقد نسخت هذه الآية تحديد مدة قيام الليل بنصفه أو أزيد أو أقل من ثلثه ، وأصحاب التحديد بالمقدار المتيسر من غير ضبط ، أما حكم ذلك القيام فهو على ما تقدم شرحه . عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً . هذه الجملة بدل اشتمال من جملة عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ ، وهذا تخفيف آخر لأجل أحوال أخرى اقتضت التخفيف . وهذه حكمة أخرى لنسخ تحديد الوقت في قيام الليل وهي مراعاة أحوال طرأت على المسلمين من ضروب ما تدعو إليه حالة الجماعة الإسلامية . وذكر من ذلك ثلاثة أضرب هي أصول الأعذار : الضرب الأول : أعذار اختلال الصحة وقد شملها قوله : أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى . الضرب الثاني : الأشغال التي تدعو إليها ضرورة العيش من تجارة وصناعة وحراثة