الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

255

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والمراد بالشهادة هنا : الشهادة بتبليغ ما أراده اللّه من الناس وبذلك يكون وصف شاهِداً موافقا لاستعمال الوصف باسم الفاعل في زمن الحال ، أي هو شاهد عليكم الآن بمعاودة الدعوة والإبلاغ . وأما شهادة الرسول صلى اللّه عليه وسلم يوم القيامة فهي شهادة بصدق المسلمين في شهادتهم على الأمم بأن رسلهم أبلغوا إليهم رسالات ربّهم ، وذلك قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً كما ورد تفصيل تفسيرها في الحديث الصحيح ، وقد تقدم في سورة البقرة [ 143 ] . وتنكير رَسُولًا المرسل إلى فرعون لأن الاعتبار بالإرسال لا بشخص المرسل إذ التشبيه تعلق بالإرسال في قوله : كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ إذ تقديره كإرسالنا إلى فرعون رسولا . وتفريع فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ إيماء إلى أن ذلك هو الغرض من هذا الخبر وهو التهديد بأن يحلّ بالمخاطبين لمّا عصوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم مثل ما حلّ بفرعون . وفي إظهار اسم فرعون في قوله : فَعَصى فِرْعَوْنُ دون أن يؤتى بضميره للنداء عليه بفظاعة عصيانه الرسول . ولما جرى ذكر الرسول المرسل إلى فرعون أوّل مرة جيء به في ذكره ثاني مرة معرفا بلام العهد وهو العهد الذكري ، أي الرسول المذكور آنفا فإن النكرة إذا أعيدت معرفة باللام كان مدلولها عين الأولى . والأخذ مستعمل في الإهلاك مجازا لأنه لما أزالهم من الحياة أشبه فعله أخذ الآخذ شيئا من موضعه وجعله عنده . والوبيل : فعيل صفة مشبهة من وبل المكان ، إذا وخم هواؤه أو مرعى كلئه ، وقال زهير : إلى كلإ مستوبل متوخّم وهو هنا مستعار لسيّئ العاقبة شديد السوء ، وأريد به الغرق الذي أصاب فرعون وقومه . [ 17 - 18 ]