الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
250
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يستعان عليه بالتوكل على اللّه . وضمير يَقُولُونَ عائد إلى المشركين ، ولم يتقدم له معاد فهو من الضمائر التي استغني عن ذكر معادها بأنه معلوم للسامعين كما تقدم غير مرة ، ومن ذلك عند قوله تعالى : وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ [ الجن : 16 ] الآيات من سورة قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ [ الجن : 1 ] ، ولأنه سيأتي عقبه قوله وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ [ المزمل : 11 ] فيبين المراد من الضمير . وقد مضى في السور التي نزلت قبل سورة المزمل مقالات أذى من المشركين لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ففي سورة العلق [ 9 ، 10 ] أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى . قيل هو أبو جهل تهدّد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لئن صلى في المسجد الحرام ليفعلنّ ويفعلنّ . وفيها : إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [ العلق : 6 ، 7 ] . قيل هو الأخنس بن شريق « تنكّر لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد أن كان حليفه » ، وفي سورة القلم [ 2 - 15 ] ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ إلى قوله : فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ، وقوله : وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ إلى قوله : قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [ القلم : 15 ] ردّا لمقالاتهم . وفي سورة المدثر [ 11 - 25 ] إن كانت نزلت قبل سورة المزمل ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً إلى قوله : إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ، قيل : قائل ذلك الوليد بن المغيرة . فلذلك أمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم بالصبر على ما يقولون . والهجر الجميل : هو الحسن في نوعه ، فإن الأحوال والمعاني منها حسن ومنها قبيح في نوعه وقد يقال : كريم ، وذميم ، وخالص ، وكدر ، ويعرض الوصف للنوع بما من شأنه أن يقترن به من عوارض تناسب حقيقة النوع فإذا جردت الحقيقة عن الأعراض التي قد تعتلق بها كان نوعها خالصا ، وإذا ألصق بالحقيقة ما ليس من خصائصها كان النوع مكدّرا قبيحا ، وقد أشار إلى هذا قوله تعالى : لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [ البقرة : 264 ] ، وتقدم عند قوله تعالى : إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ في سورة النمل [ 29 ] ، ومن هذا المعنى قوله : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ في سورة يوسف [ 18 ] ، وقوله فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا في سورة المعارج [ 5 ] . فالهجر الجميل هو الذي يقتصر صاحبه على حقيقة الهجر ، وهو ترك المخالطة فلا يقرنها بجفاء آخر أو أذى ، ولما كان الهجر ينشأ عن بعض المهجور ، أو كراهية أعماله كان معرّضا لأن يعتلق به أذى من سبّ أو ضرب أو نحو ذلك . فأمر اللّه رسوله بهجر المشركين هجرا جميلا ، أي أن يهجرهم ولا يزيد على هجرهم سبّا أو انتقاما .