الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

247

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والسبح : أصله العوم ، أي السلوك بالجسم في ماء كثير ، وهو مستعار هنا للتصرف السهل المتسع الذي يشبه حركة السابح في الماء فإنه لا يعترضه ما يعوق جولانه على وجه الماء ولا إعياء السير في الأرض . وقريب من هذه الاستعارة استعارة السبح لجري الفرس دون كلفة في وصف امرئ القيس الخيل بالسابحات في قوله في مدح فرسه : مسحّ إذا ما السابحات على الونى * أثرن الغبار في الكديد المركّل فعبر عن الجاريات بالسابحات . وفسر ابن عباس السبح بالفراغ ، أي لينام في النهار ، وقال ابن وهب عن ابن زيد قال : فراغا طويلا لحوائجك فافرغ لدينك بالليل . والطويل : وصف من الطول ، وهو ازدياد امتداد القامة أو الطريق أو الثوب على مقادير أكثر أمثاله . فالطول من صفات الذوات ، وشاع وصف الزمان به يقال : ليل طويل وفي الحديث « الشتاء ربيع المؤمن قصر نهاره فصامه وطال ليله فقامه » . وأما وصف السّبح ب ( طويل ) في هذه الآية فهو مجاز عقلي لأن الطويل هو مكان السبح وهو الماء المسبوح فيه . وبعد هذا ففي قوله طَوِيلًا ترشيح لاستعارة السّبح للعمل في النهار . [ 8 - 9 ] [ سورة المزمل ( 73 ) : الآيات 8 إلى 9 ] وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ( 8 ) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً ( 9 ) عطف على قُمِ اللَّيْلَ [ المزمل : 2 ] وقصد بإطلاق الأمر عن تعيين زمان إلى إفادة تعميمه ، أي اذكر اسم ربك في الليل وفي النهار كقوله : وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [ الإنسان : 25 ] . وإقحام كلمة اسْمَ لأن المأمور به ذكر اللسان وهو جامع للتذكر بالعقل لأن الألفاظ تجري على حسب ما في النفس ، ألا ترى إلى قوله تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ [ الأعراف : 205 ] . والتبتل : شدة البتل ، وهو مصدر تبتّل القاصر الذي هو مطاوع بتّله ف تَبَتَّلْ وهو هنا للمطاوعة المجازية يقصد من صيغتها المبالغة في حصول الفعل حتّى كأنه فعله غيره به