الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

245

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

السحابة التي تتنشأ من الأفق بعد صحو ، وإذا كانت الصلاة بعد نوم فمعنى النشء فيها أقوى ، ولذلك فسرتها عائشة بالقيام بعد النوم ، وفسر ابن عباس ناشِئَةَ اللَّيْلِ بصلاة الليل كلها . واختاره مالك . وعن علي بن الحسين : أنها ما بين المغرب والعشاء . وعن ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير : أن أصل هذا معرب عن الحبشة ، وقد عدها السبكي في « منظومته » في معربات القرآن . وإيثار لفظ ناشِئَةَ في هذه الآية دون غيره من نحو : قيام أو تهجد ، لأجل ما يحتمله من هذه المعاني ليأخذ الناس فيه بالاجتهاد . وقرأ جمهور العشرة وَطْئاً بفتح الواو وسكون الطاء بعدها همزة ، والوطء : أصله وضع الرجل على الأرض ، وهو هنا مستعار لمعنى يناسب أن يكون شأنا للظلام بالليل ، فيجوز أن يكون الوطء استعير لفعل من أفعال المصلي على نحو إسناد المصدر إلى فاعله ، أي واطئا أنت ، فهو مستعار لتمكن المصلي من الصلاة في الليل بتفرغه لها وهدوء باله من الأشغال النهارية تمكّن الواطئ على الأرض فهو أمكن للفعل . والمعنى : أشد وقعا ، وبهذا فسره جابر بن زيد والضحاك وقاله الفراء . ويجوز أن يكون الوطء مستعارا لحالة صلاة الليل وأثرها في المصلي ، أي أشد أثر خير في نفسه وأرسخ خيرا وثوابا ، وبهذا فسره قتادة . وقرأه ابن عامر وأبو عمرو وحده وطاء بكسر الواو وفتح الطاء ومدها مصدر واطأ من مادة الفعال . والوطاء : الوفاق والملاءمة ، قال تعالى : لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ [ التوبة : 37 ] . والمعنى : أن صلاة الليل أوفق بالمصلي بين اللسان والقلب ، أي بين النطق بالألفاظ وتفهم معانيها للهدوء الذي يحصل في الليل وانقطاع الشواغل وبحاصل هذا فسر مجاهد . وضمير هِيَ ضمير فصل ، وانظر ما سيأتي عند قوله تعالى : وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً [ المزمل : 20 ] في وقوع ضمير الفصل بين معرفة واسم تفضيل . وضمير الفصل هنا لتقوية الحكم لا للحصر . والأقوم : الأفضل في التقوي الذي هو عدم الاعوجاج والالتواء واستعير أَقْوَمُ للأفضل الأنفع . و قِيلًا : القول ، وأريد به قراءة القرآن لتقدم قوله : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا