الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

243

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الأسنان ، أي المفرق بين أسنانه تفرقا قليلا بحيث لا تكون النواجذ متلاصقة . وأريد بترتيل القرآن ترتيل قراءته ، أي التمهل في النطق بحروف القرآن حتى تخرج من الفم واضحة مع إشباع الحركات التي تستحق الإشباع . ووصفت عائشة الترتيل فقالت : « لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها لا كسردكم هذا » . وفائدة هذا أن يرسخ حفظه ويتلقاه السامعون فيعلق بحوافظهم ، ويتدبر قارئه وسامعه معانيه كيلا يسبق لفظ اللسان عمل الفهم . قال قائل لعبد اللّه بن مسعود : قرأت المفصل في ليلة فقال عبد اللّه : « هذّا كهذّ الشعر » لأنهم كانوا إذا أنشدوا القصيدة أسرعوا ليظهر ميزان بحرها ، وتتعاقب قوافيها على الأسماع . والهذّ إسراع القطع . وأكد هذا الأمر بالمفعول المطلق لإفادة تحقيق صفة الترتيل . وقرأ الجمهور أَوِ انْقُصْ بضم الواو للتخلص من التقاء الساكنين عند سقوط همزة الوصل ، حركوا الواو بضمّة لمناسبة ضمة قاف انْقُصْ بعدها . وقرأه حمزة وعاصم بكسر الواو على الأصل في التخلص من التقاء الساكنين . ووقع في قوله تعالى : أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ إذا ( شبعت ) فتحة نون القرآن محسّن الاتّزان بأن يكون مصراعا من بحر الكامل أحذّ دخله الإضمار مرتين . [ 5 ] [ سورة المزمل ( 73 ) : آية 5 ] إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ( 5 ) تعليل للأمر بقيام الليل وقع اعتراضا بين جملة قُمِ اللَّيْلَ [ المزمل : 2 ] وجملة إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً [ المزمل : 6 ] ، وهو جملة مستأنفة استئنافا بيانيا لحكمة الأمر بقيام الليل بأنها تهيئة نفس النبي صلى اللّه عليه وسلم ليحمل شدة الوحي ، وفي هذا إيماء إلى أن اللّه يسّر عليه ذلك كما قال تعالى : إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [ القيامة : 17 ] ، فتلك مناسبة وقوع هذه الجملة عقب جملة قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [ المزمل : 2 ] فهذا إشعار بأن نزول هذه الآية كان في أول عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم بنزول القرآن فلما قال له : وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [ المزمل : 4 ] أعقب ببيان علة الأمر بترتيل القرآن . والقول الثقيل هو القرآن وإلقاؤه عليه : إبلاغه له بطريق الوحي بواسطة الملك . وحقيقة الإلقاء : رمي الشيء من اليد إلى الأرض وطرحه ، ويقال : شيء لقى ، أي مطروح ، استعير الإلقاء للإبلاغ دفعة على غير ترقب .