الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
239
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
معنى التلفف ، والتدثر مشتق من معنى اتخاذ الدثار للتدفؤ . وأصل التزمل مشتق من الزّمل بفتح فسكون وهو الإخفاء ولا يعرف ل ( تزمّل ) فعل مجرد في معناه فهو من التفعل الذي تنوسي منه معنى التكلف للفعل ، وأريد في إطلاقه معنى شدة التلبس ، وكثر مثل هذا في الاشتمال على اللباس ، فمنه التزمل ومنه التعمّم والتأزّر والتقمّص ، وربما صاغوا له صيغة الافتعال مثل : ارتدى وائتزر . وأصل الْمُزَّمِّلُ : المتزمل ، أدغمت التاء في الزاي بعد قلبها زايا لتقاربهما . وهذا التزمل الذي أشارت إليه الآية قال الزهري وجمهور المفسرين : إنه التزمل الذي جرى في قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « زمّلوني زمّلوني » حين نزل من غار حراء بعد أن نزل عليه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [ العلق : 1 ] الآيات كما في حديث عروة عن عائشة في كتاب بدء الوحي من « صحيح البخاري » وإن لم يذكر في ذلك الحديث نزول هذه السورة حينئذ ، وعليه فهو حقيقة . وقيل : هو ما في حديث جابر بن عبد اللّه قال : « لما اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا : سمّوا هذا الرجل اسما تصدر الناس عنه ( أي صفوة وصفا تتفق عليه الناس ) فقالوا : كاهن ، وقالوا : مجنون ، وقالوا : ساحر ، فصدر المشركون على وصفه ب ( ساحر ) فبلغ ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم فحزن وتزمل في ثيابه وتدثر ، فأتاه جبريل فقال : يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [ المدثر : 1 ] . وسيأتي في سورة المدثر أن سبب نزولها رؤيته الملك جالسا على كرسي بين السماء والأرض فرجع إلى خديجة يرجف فؤاده فقال : « دثروني » ، فيتعين أن سبب ندائه ب يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ كان عند قوله : « زمّلوني » ، فذلك عندما اغتمّ من وصف المشركين إياه بالجنون وأن ذلك غير سبب ندائه ب يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ في سورة المدثر . وقيل : هو تزمّل للاستعداد للصلاة فنودي يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا وهذا مروي عن قتادة . وقريب منه عن الضحاك وهي أقوال متقاربة . ومحملها على أن التزمّل حقيقة ، وقال عكرمة : معناه زمّلت هذا الأمر فقم به ، يريد أمر النبوءة فيكون قوله : اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا مع قوله : إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا [ المزمل : 7 ] تحريضا على استفراغ جهده في القيام بأمر التبليغ في جميع الأزمان من ليل