الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

235

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ 73 - سورة المزمل ليس لهذه السورة إلّا اسم « سورة المزمل » عرفت بالإضافة لهذا اللفظ الواقع في أولها ، فيجوز أن يراد به حكاية اللفظ ، ويجوز أن يراد به النبي صلى اللّه عليه وسلم موصوفا بالحال الذي نودي به في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [ المزمل : 1 ] . قال ابن عطية : هي في قول الجمهور مكية إلّا قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ [ المزمل : 20 ] إلى نهاية السورة فذلك مدني . وحكى القرطبي مثل هذا عن الثعلبي . وقال في « الإتقان » : إن استثناء قوله : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ إلى آخر السورة يرده ما أخرجه الحاكم عن عائشة « نزل بعد نزول صدر السورة بسنة وذلك حين فرض قيام الليل في أول الإسلام قبل فرض الصلوات الخمس » ا ه . يعني وذلك كله بمكة ، أي فتكون السورة كلها مكية فتعيّن أن قوله : قُمِ اللَّيْلَ [ المزمل : 2 ] أمر به في مكة . والروايات تظاهرت على أن قوله : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ إلى آخر السورة نزل مفصولا عن نزول ما قبله بمدة مختلف في قدرها ، فقالت عائشة : « نزل بعد صدر السورة بسنة » ، ومثله روى الطبري عن ابن عباس ، وقال الجمهور : نزل صدر السورة بمكة ونزل إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ إلى آخرها بالمدينة ، أي بعد نزول أولها بسنين . فالظاهر أن الأصح أن نزول إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ إلى آخر السورة نزل بالمدينة لقوله تعالى : وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ المزمل : 20 ] إن لم يكن ذلك إنباء بمغيب على وجه المعجزة .