الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
224
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهذا توبيخ للمشركين على اعتدائهم على حق اللّه وتصرفهم فيما ليس لهم أن يغيروه قال تعالى : وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ [ الأنفال : 34 ] ، وإنما عبر في هذه الآية وفي آية وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ [ البقرة : 114 ] بلفظ مَساجِدَ ليدخل الذين يفعلون مثل فعلهم معهم في هذا الوعيد ممن شاكلهم ممن غيّروا المساجد ، أو لتعظيم المسجد الحرام ، كما جمع رُسُلِي في قوله : فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ [ سبأ : 45 ] ، على تقدير أن يكون ضمير فَكَذَّبُوا عائدا إلى الَّذِينَ كَفَرُوا في قوله : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [ سبأ : 43 ] أي كذبوا رسولي . ومنه قوله تعالى : وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ [ الفرقان : 37 ] يريد نوحا ، وهو أول رسول فهو المقصود بالجمع . وفرع على اختصاص كون المساجد باللّه النهي عن أن يدعوا مع اللّه أحدا ، وهذا إلزام لهم بالتوحيد بطريق القول بالموجب لأنهم كانوا يزعمون أنهم أهل بيت اللّه فعبادتهم غير اللّه منافية لزعمهم ذلك . [ 19 - 20 ] [ سورة الجن ( 72 ) : الآيات 19 إلى 20 ] وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ( 19 ) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ( 20 ) قرأ نافع وحده وأبو بكر عن عاصم بكسر الهمزة . وقرأه بقية العشرة في رواياتهم المشهورة بالفتح . ومآل القراءتين سواء في كون هذا خارجا عما صدر عن الجن وفي كونه مما أوحى اللّه به . فكسر الهمزة على عطف الجملة على جملة أُوحِيَ إِلَيَّ [ الجن : 1 ] ، والتقدير : وقل إنه لما قام عبد اللّه يدعوه لأن همزة ( إنّ ) إذا وقعت في محكي بالقول تكسر ، ولا يليق أن يجعل من حكاية مقالة الجن لأن ذلك قد انقضى وتباعد ونقل الكلام إلى أغراض أخرى ابتداء من قوله : وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ [ الجن : 18 ] . وأما الفتح فعلى اعتباره معطوفا على جملة أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ [ الجن : 1 ] ، أي وأوحي إلي أنه لما قام عبد اللّه ، أي أوحى اللّه إليّ اقتراب المشركين من أن يكونوا لبدا على عبد اللّه لما قام يدعو ربّه .