الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
219
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
خوف البخس والرهق ، وليدل على اختصاصه بذلك دون غيره الذي لا يؤمن بربه ، فتقدير المسند إليه قبل الخبر الفعلي يقتضي التخصيص تارة والتقوي أخرى وقد يجتمعان كما تقدم في قوله تعالى : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة : 15 ] . واجتمعا هنا كما أشار إليه في « الكشاف » بقوله : فكان دالا على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة وأنه هو المختص بذلك دون غيره . وكلام « الكشاف » اقتصر على بيان مزية الجملة الاسمية وهو يقتضي توجيه العدول عن جزم الفعل لأجل ذلك . وقد نقول : إن العدول عن تجريد الفعل من الفاء وعن جزمه لدفع إيهام أن تكون لا ناهية ، فهذا العدول صراحة في إرادة الوعد دون احتمال إرادة النهي . وفي « شرح الدماميني على التسهيل » : أن جواب الشرط إذا كان فعلا منفيا ب ( لا ) يجوز الاقتران بالفاء وتركه . ولم أره لغيره وكلام « الكشاف » يقتضي أن الاقتران بالفاء واجب إلّا إذا قصدت مزية أخرى . [ 14 - 15 ] [ سورة الجن ( 72 ) : الآيات 14 إلى 15 ] وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً ( 14 ) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ( 15 ) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ . قرأ الجمهور وأبو جعفر بكسر الهمزة . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وخلف بفتحها وهو من قول الجن وهو عطف على المجرور بالباء . والمقصود بالعطف قوله : فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً وما قبله توطئة له ، أي أصبحنا بعد سماع القرآن منا المسلمون ، أي الذين اتبعوا ما جاء به الإسلام مما يليق بحالهم ومنا القاسطون ، أي الكافرون المعرضون وهذا تفصيل لقولهم : وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ [ الجن : 11 ] لأن فيه تصريحا بأن دون ذلك هو ضد الصلاح . والظاهر أن من منتهى ما حكي عن الجن من المدركات التي عبر عنها بالقول وما عطف عليه . فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً ( 14 ) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ( 15 ) . الظاهر أن هذا خارج عن الكلام المحكي عن الجن ، وأنه كلام من جانب اللّه تعالى