الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
206
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وصدق القرآن وما احتوى عليه ما سمعوه منه فصاروا من خيرة المخلوقات ، وأكرموا بالفوز في الحياة الآخرة فلم يكونوا ممن ذرأ اللّه لجهنم من الجن والإنس . ومتعلق اسْتَمَعَ محذوف دل عليه قوله بعده فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً . و الرُّشْدِ : بضم الراء وسكون الشين ( أو يقال بفتح الراء وفتح الشين ) هو الخير والصواب والهدى . واتفقت القراءات العشر على قراءته بضم فسكون . وقولهم : وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً ، أي ينتفي ذلك في المستقبل . وهذا يقتضي أنهم كانوا مشركين ولذلك أكدوا نفي الإشراك بحرف التأبيد فكما أكد خبرهم عن القرآن والثناء عليه ب ( إن ) أكد خبرهم عن إقلاعهم عن الإشراك ب لَنْ . [ 3 ] [ سورة الجن ( 72 ) : آية 3 ] وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً ( 3 ) هذا محكي عن كلام الجن ، قرأه الجمهور بكسر همزة أَنَّهُ على اعتباره معطوفا على قولهم : إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً [ الجن : 1 ] إذ يجب كسر همزة ( إنّ ) إذا حكيت بالقول . وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وأبو جعفر وخلف بفتح الهمزة على أنه معطوف على الضمير المجرور بالباء في قوله : فَآمَنَّا بِهِ [ الجن : 2 ] أي وآمنا بأنه تعالى جد ربنا . وعدم إعادة الجار مع المعطوف على المجرور بالحرف مستعمل ، وجوزه الكوفيون ، على أن حرف الجر كثير حذفه مع ( أنّ ) فلا ينبغي أن يختلف في حذفه هنا على هذا التأويل . قال في « الكشاف » : أَنَّهُ اسْتَمَعَ [ الجن : 1 ] بالفتح لأنه فاعل أوحي ( أي نائب الفاعل ) و إِنَّا سَمِعْنا بالكسر لأنه مبتدأ محكي بعد القول ثم تحمل عليهما البواقي فما كان من الوحي فتح وما كان من قول الجن كسر ، وكلّهن من قولهم ، إلّا الثنتين الأخريين : وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ [ الجن : 18 ] ، وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ [ الجن : 19 ] ومن فتح كلهن فعطفا على محل الجار والمجرور في فَآمَنَّا بِهِ [ الجن : 2 ] كأنه قيل : صدقناه وصدقنا أنه تعالى جدّ ربنا ، وأنه كان يقول سفيهنا ، وكذلك البواقي ا ه . والتعالي : شدة العلوّ ، جعل شديد العلوّ كالمتكلف العلوّ لخروج علوّه عن غالب ما تعارفه الناس فأشبه التكلف .