الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

195

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 24 ] [ سورة نوح ( 71 ) : آية 24 ] وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً ( 24 ) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً . عطف على وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ [ نوح : 23 ] ، أي أضلوا بقولهم هذا وبغيره من تقاليد الشرك كثيرا من الأمة بحيث ما آمن مع نوح إلّا قليل . وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا . يجوز أن تكون هذه الجملة تتمة كلام نوح متصلة بحكاية كلامه السابق ، فتكون الواو عاطفة جزء جملة مقولة لفعل قالَ [ نوح : 21 ] على جزئها الذي قبلها عطف المفاعيل بعضها على بعض كما تقول قال امرؤ القيس قفا نبك . ختم نوح شكواه إلى اللّه بالدعاء على الضالّين المتحدث عنهم بأن يزيدهم اللّه ضلالا . ولا يريبك عطف الإنشاء على الخبر لأن منع عطف الإنشاء على الخبر على الإطلاق غير وجيه والقرآن طافح به . ويجوز أن تكون جملة وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا غير متصلة بحكاية كلامه في قوله : قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي [ نوح : 21 ] بل هو حكاية كلام آخر له صدر في موقف آخر ، فتكون الواو عاطفة جملة مقولة قول على جملة مقولة قول آخر ، أي نائبة عن فعل قال كما تقول : قال امرؤ القيس : قفا نبك و : ألا عم صباحا أيها الطلل البالي وقد نحا هذا المعنى من يأبون عطف الإنشاء على الخبر . والمراد ب الظَّالِمِينَ : قومه الذين عصوه فكان مقتضى الظاهر التعبير عنهم بالضمير عائدا على قَوْمِي من قوله : دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً [ نوح : 5 ] فعدل عن الإضمار إلى الإظهار على خلاف مقتضى الظاهر لما يؤذن به وصف الظَّالِمِينَ من استحقاقهم الحرمان من عناية اللّه بهم لظلمهم ، أي إشراكهم باللّه ، فالظلم هنا الشرك إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] .