الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

190

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و نَباتاً : اسم من أنبت ، عومل معاملة المصدر فوقع مفعولا مطلقا ل أَنْبَتَكُمْ للتوكيد ، ولم يجر على قياس فعله فيقال : إنباتا ، لأن نباتا أخف فلما تسنى الإتيان به لأنه مستعمل فصيح لم يعدل عنه إلى الثقيل كمالا في الفصاحة ، بخلاف قوله بعده إِخْراجاً فإنه لم يعدل عنه إلى : خروجا ، لعدم ملاءمته لألفاظ الفواصل قبله المبنية على ألف مثل ألف التأسيس فكما تعدّ مخالفتها في القافية عيبا كذلك تعدّ المحافظة عليها في الأسجاع والفواصل كمالا . وقد أدمج الإنذار بالبعث في خلال الاستدلال ، ولكونه أهم رتبة من الاستدلال عليهم بأصل الإنشاء عطفت الجملة ب ثُمَّ الدالة على التراخي الرتبي في قوله : ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً لأن المقصود من الجملة هو فعل يُخْرِجُكُمْ ، وأما قوله : ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فهو تمهيد له . وأكد يُخْرِجُكُمْ بالمفعول المطلق لردّ إنكارهم البعث . [ 19 - 20 ] [ سورة نوح ( 71 ) : الآيات 19 إلى 20 ] وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً ( 19 ) لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً ( 20 ) هذا استدلال وامتنان ، ولذلك علق بفعل جَعَلَ مجرور بلام التعليل وهو لَكُمُ أي لأجلكم . والبساط : ما يفرش للنوم عليه والجلوس من ثوب أو زربية فالإخبار عن الأرض ببساط تشبيه بليغ ، أي كالبساط ، ووجه الشبه تناسب سطح الأرض في تعادل أجزائه بحيث لا يوجع أرجل الماشين ولا يقضّ جنوب المضطجعين ، وليس المراد أن اللّه جعل حجم الأرض كالبساط لأن حجم الأرض كروي ، وقد نبه على ذلك بالعلة الباعثة في قوله : لَكُمُ ، والعلة الغائبة في قوله : لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا وحصل من مجموع العلتين الإشارة إلى جميع النعم التي تحصل للناس من تسوية سطح الأرض مثل الحرث والزرع ، وإلى نعمة خاصة وهي السير في الأرض ، وخصت بالذكر لأنها أهم لاشتراك كل الناس في الاستفادة منها . والسبل : جمع سبيل وهو الطريق ، أي لتتخذوا لأنفسكم سبلا من الأرض تهتدون بها في أسفاركم . والفجاج : جمع فج ، والفج : الطريق الواسع ، وأكثر ما يطلق على الطريق بين جبلين لأنه يكون أوسع من الطريق المعتاد .