الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
183
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إلقائها لأن الحالة أشد ملابسة بصاحبها من ملابسة زمانه . فذكر أنه دعاهم جهارا ، أي علنا . وجهار : اسم مصدر جهر ، وهو هنا وصف لمصدر دَعَوْتُهُمْ ، أي دعوة جهارا . وارتقى فذكر أنه جمع بين الجهر والإسرار لأن الجمع بين الحالتين أقوى في الدعوة وأغلظ من إفراد إحداهما . فقوله : أَعْلَنْتُ لَهُمْ تأكيد لقوله : دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ذكر ليبنى عليه عطف وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً . والمعنى : أنه توخى ما يظنه أوغل إلى قلوبهم من صفات الدعوة ، فجهر حين يكون الجهر أجدى مثل مجامع العامة ، وأسرّ للذين يظنهم متجنبين لوم قومهم عليهم في التصدّي لسماع دعوته وبذلك تكون ضمائر الغيبة في قوله دَعَوْتُهُمْ ، وقوله : أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ موزعة على مختلف الناس . وانتصب جِهاراً بالنيابة عن المفعول المطلق المبيّن لنوع الدعوة . وانتصب إِسْراراً على أنه مفعول مطلق مفيد للتوكيد ، أي إسرارا خفيا . ووجه توكيد الإسرار أن إسرار الدعوة كان في حال دعوته سادتهم وقادتهم لأنهم يمتعضون من إعلان دعوتهم بمسمع من أتباعهم . وفصّل دعوته بفاء التفريع فقال فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ فهذا القول هو الذي قاله لهم ليلا ونهارا وجهارا وإسرارا . ومعنى اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ، آمنوا إيمانا يكون استغفارا لذنبكم فإنكم إن فعلتم غفر اللّه لكم . وعلّل ذلك لهم بأن اللّه موصوف بالغفران صفة ثابتة تعهد اللّه بها لعباده المستغفرين ، فأفاد التعليل بحرف ( إنّ ) وأفاد ثبوت الصفة للّه بذكر فعل كانَ وأفاد كمال غفرانه بصيغة المبالغة بقوله غَفَّاراً . وهذا وعد بخير الآخرة ورتب عليه وعدا بخير الدنيا بطريق جواب الأمر ، وهو يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ الآية . وكانوا أهل فلاحة فوعدهم بنزول المطر الذي به السلامة من القحط وبالزيادة في الأموال .