الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
177
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
سورة الأنعام [ 2 ] . فالأجل المسمى : هو عمر كل واحد ، المعيّن له في ساعة خلقه المشار إليه في الحديث « أن الملك يؤمر بكتب أجل المخلوق عندما ينفخ فيه الروح » ، واستعيرت التسمية للتعيين لشبه عدم الاختلاط بين أصحاب الآجال . والمعنى : ويؤخركم فلا يعجل بإهلاككم جميعا فيؤخر كل أحد إلى أجله المعيّن له على تفاوت آجالهم . فمعنى هذه الآية نظير معنى آية سورة هود [ 3 ] وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وهي على لسان محمد صلى اللّه عليه وسلم . إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . يحتمل أن تكون هذه الجملة تعليلا لقوله : وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ، أي تعليلا للربط الذي بين الأمر وجزائه من قوله : أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ إلى قوله : وَيُؤَخِّرْكُمْ إلخ لأن الربط بين الأمر وجوابه يعطي بمفهومه معنى : إن لا تعبدوا اللّه ولا تتقوه ولا تطيعوني لا يغفر لكم ولا يؤخركم إلى أجل مسمى ، فعلل هذا الربط والتلازم بين هذا الشرط المقدر وبين جزائه بجملة إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ ، أي أن الوقت الذي عيّنه اللّه لحلول العذاب بكم إن لم تعبدوه ولم تطيعون إذا جاء إبّانه باستمراركم على الشرك لا ينفعكم الإيمان ساعتئذ ، كما قال تعالى : فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ [ يونس : 98 ] ، فيكون هذا حثا على التعجيل بعبادة اللّه وتقواه . فالأجل الذي في قوله : إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ غير الأجل الذي في قوله : وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ويناسب ذلك قوله عقبه لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ المقتضي أنهم لا يعلمون هذه الحقيقة المتعلقة بآجال الأمم المعيّنة لاستئصالهم ، وأما عدم تأخير آجال الأعمار عند حلولها فمعلوم للناس مشهور في كلام الأولين . وفي إضافة أَجَلٍ إلى اسم الجلالة في قوله : إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ إيماء إلى أنه ليس الأجل المعتاد بل هو أجل عيّنه اللّه للقوم إنذارا لهم ليؤمنوا باللّه . ويحتمل أن تكون الجملة استئنافا بيانيا ناشئا عن تحديد غاية تأخيرهم إلى أجل مسمى ، أي دون تأخيرهم تأخيرا مستمرا فيسأل السامع في نفسه عن علة تنهية تأخيرهم بأجل آخر فيكون أجل اللّه غير الأجل الذي في