الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
175
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
نَذِيرٌ لدلالة قوله : أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ عليه . والتقدير : إنّي لكم نذير بعذاب أليم إن لم تعبدوا اللّه ولم تتقوه ولم تطيعوني . والمبين : يجوز أن يكون من أبان المتعدّي الذي مجرده بان ، أي موضّح أو من أبان القاصر ، الذي هو مرادف بان المجرد ، أي نذير واضح لكم أني نذير ، لأني لا أجتني من دعوتكم فائدة من متاع الدنيا وإنما فائدة ذلك لكم ، وهذا مثل قوله في سورة الشعراء [ 109 ، 110 ] وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وتقديم لَكُمْ على عامله وهو نَذِيرٌ للاهتمام بتقديم ما دلت عليه اللام من كون النذارة لفائدتهم لا لفائدته . فجمع في صدر دعوته خمسة مؤكدات ، وهي : النداء وجعل المنادى لفظ يا قَوْمِ المضاف إلى ضميره ، وافتتاح كلامه بحرف التأكيد ، واجتلاب لام التعليل ، وتقديم مجرورها . و أَنِ في أَنِ اعْبُدُوا تفسيرية لأن وصف نَذِيرٌ فيه معنى القول دون حروفه ، وأمرهم بعبادة اللّه لأنهم أعرضوا عنها ونسوها بالتمحض لأصنامهم ، وكان قوم نوح مشركين كما دل عليه قوله تعالى في سورة يونس [ 71 ] فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ وبذلك كان تمثيل حال المشركين من العرب بحال قوم نوح تمثيلا تاما . واتقاء اللّه اتقاء غضبه ، فهذا من تعليق الحكم باسم الذات . والمراد : حال من أحوال الذات من باب حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [ المائدة : 3 ] أي أكلها ، أي بأن يعلموا أنه لا يرضى لعباده الكفر به . وطاعتهم لنوح هي امتثالهم لما دعاهم إليه من التوحيد وقد قال المفسرون : لم يكن في شريعة نوح إلّا الدعوة إلى التوحيد فليس في شريعته أعمال تطلب الطاعة فيها ، لكن لم تخل شريعة إلهية من تحريم الفواحش مثل قتل الأنفس وسلب الأموال ، فقوله : يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ينصرف بادئ ذي بدء إلى ذنوب الإشراك اعتقادا وسجودا . وجزم يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ في جواب الأوامر الثلاثة اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ، أي إن تفعلوا ذلك يغفر اللّه لكم من ذنوبكم . وهذا وعد بخير الآخرة . وحرف مِنْ زائد للتوكيد ، وهذا من زيادة مِنْ في الإيجاب على رأي كثير من أئمة النحو مثل الأخفش وأبي علي الفارسي وابن جنيّ من البصريين وهو قول الكسائي