الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
169
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهذا الاستعمال هو المعنون في أصول الفقه بإضافة التحليل والتحريم إلى الأعيان ، أو إسناد التحريم والتحليل إلى الأعيان ، ولوضوح دلالة ذلك على المراد لم يعدّه جمهور علماء الأصول من قبيل المجمل خلافا للكرخي وبعض الشافعية . وقد يتوسل من الأمر بالترك إلى الكناية عن التحقير وقلة الاكتراث كقول كبشة أخت عمرو بن معديكرب تلهب أخاها عمرا للأخذ بثأر أخيه عبد اللّه وكان قد قتل : ودع عنك عمرا انّ عمرا مسالم * وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم وما في هذه الآية من ذلك الأسلوب أي لا تكترث بهم فإنهم دون أن تصرف همتك في شأنهم مثل قوله تعالى : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [ فاطر : 8 ] . وبهذا تعلم أن قوله تعالى : فَذَرْهُمْ لا علاقة له بحكم القتال ، ولا هو من الموادعة ولا هو منسوخ بآيات السيف كما توهمه بعض المفسرين . والخوض : الكلام الكثير ، والمراد خوضهم في القرآن وشأن النبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين . واللعب : الهزل والهزء وهو لعبهم في تلقي الدعوة الإسلامية وخروجهم عن حدود التعقل والجدّ في الأمر لاستطارة رشدهم حسدا وغيظا وحنقا . وجزم يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا في جواب الأمر للمبالغة في ارتباط خوضهم ولعبهم بقلة الاكتراث بهم إذ مقتضى جزمه في الجواب أن يقدر : أن تذرهم يخوضوا ويلعبوا ، أي يستمروا في خوضهم ولعبهم وذلك لا يضيرك ، ومثل هذا الجزم كثير نحو قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [ الجاثية : 14 ] ونحو وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ الإسراء : 53 ] . وبعض المفسرين والنحويين يجعل أمثاله مجزوما بلام الأمر مقدرة على أن ذلك مقول القول وهو يفيت نكتة المبالغة . و حَتَّى متعلقة ب ( ذرهم ) لما فيه من معنى ، أمهلهم وانتظرهم ، فإن اليوم الذي وعدوه هو يوم النشور حين يجازون على استهزائهم وكفرهم ، فلا يكون غاية ل يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا والغاية هنا كناية عن دوام تركهم . وإضافة ( يوم ) إلى ضميرهم لأدنى ملابسة . وقرأ الجمهور يُلاقُوا بألف بعد اللام من الملاقاة . وقرأه أبو جعفر بدون ألف من اللقاء .