الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

165

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تكذيبهم واستهزائهم . وجملة أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ بدل اشتمال عن جملة فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ الآية ، لأنّ التفافهم حول النبي صلى اللّه عليه وسلم شأنه أن يكون لطلب الهدى والنجاة فشبه حالهم بحال طالبي النجاة والهدى فأورد استفهام عليه . وحكى المفسرون أن المشركين قالوا مستهزءين : نحن ندخل الجنة قبل المسلمين ، فجاز أن يكون الاستفهام إنكارا لتظاهرهم بالطمع في الجنة بحمل استهزائهم على خلاف مرادهم على طريقة الأسلوب الحكيم ، أو بالتعبير بفعل يَطْمَعُ عن التظاهر بالطمع كما في قوله تعالى : يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ [ التوبة : 64 ] أي يتظاهرون بأنهم يحذرون . وأسند الطمع إلى كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ دون أن يقال : أيطمعون أن يدخلوا الجنة ، تصويرا لحالهم بأنها حال جماعة يريد كل واحد منهم أن يدخل الجنة لتساويهم ، يرون أنفسهم سواء في ذلك ، ففي قوله : كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ تقوية التهكم بهم . ثم بني على التهكم ما يبطل ما فرض لحالهم بما بني عليه التمثيل التهكمي بكلمة الردع وهي كَلَّا أي لا يكون ذلك . وذلك انتقال من المجاز إلى الحقيقة ومن التهكم بهم إلى توبيخهم دفعا لتوهم من يتوهم أن الكلام السابق لم يكن تهكما . وهنا تمّ الكلام على إثبات الجزاء . إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ ( 40 ) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 41 ) . كلام مستأنف استئنافا ابتدائيا للانتقال من إثبات الجزاء إلى الاحتجاج على إمكان البعث إبطالا لشبهتهم الباعثة على إنكاره ، وهو الإنكار الذي ذكر إجمالا بقوله المتقدم آنفا إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً [ المعارج : 6 ، 7 ] فاحتج عليهم بالنشأة الأولى ، كما قال تعالى : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ [ الواقعة : 62 ] فالخبر بقوله : إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ مستعمل في لازم معناه وهو إثبات إعادة خلقهم بعد فنائهم . فهذا من تمام الخطاب الموجه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم . والمقصود منه أن يبلغ إلى أسماع المشركين كما تقدم آنفا .