الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
155
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهلوع : فعول مثال مبالغة للاتصاف بالهلع . والهلع لفظ غامض من غوامض اللّغة قد تساءل العلماء عنه ، قال « الكشاف » : « وعن أحمد بن يحيى ( هو ثعلب ) قال لي محمد بن عبد اللّه بن طاهر « 1 » : ما الهلع ؟ فقلت : قد فسره اللّه ولا يكون تفسير أبين من تفسيره وهو الذي إذا ناله شر أظهر شدة الجزع ، وإذا ناله خير بخل به ومنعه الناس » ا ه . فسارت كلمة ثعلب مسيرا أقنع كثيرا من اللغويين عن زيادة الضبط لمعنى الهلع . وهي كلمة لا تخلو عن تسامح وقلة تحديد للمعنى لأنه إذا كان قول اللّه تعالى : إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً تفسيرا لمدلول الجزوع ، تعيّن أن يكون مدلول الكلمة معنى مركبا من معنيي الجملتين لتكون الجملتان تفسيرا له ، وظاهر أن المعنيين ليس بينهما تلازم ، وكثيرا من أئمة اللغة فسر الهلع بالجزع ، أو بشدة الجزع ، أو بأفحش الجزع ، والجزع : أثر من آثار الهلع وليس عينه ، فإن ذلك لا يستقيم في قول عمرو بن معد يكرب : ما إن جزعت ولا هلعت * ولا يردّ بكاي زندا إذ عطف نفي الهلع على نفي الجزع ، ولو كان الهلع هو الجزع لم يحسن العطف ، ولو كان الهلع أشد الجزع كان عطف نفيه على نفي الجزع حشوا . ولذلك تكلّف المرزوقي في « شرح الحماسة » لمعنى البيت تكلفا لم يغن عنه شيئا قال : فكأنه قال : ما حزنت عليه حزنا هيّنا قريبا ولا فظيعا شديدا ، وهذا نفي للحزن رأسا كقولك : ما رأيت صغيرهم ولا كبيرهم ا ه . والذي استخلصته من تتبع استعمالات كلمة الهلع أن الهلع قلة إمساك النفس عند اعتراء ما يحزنها أو ما يسرها أو عند توقع ذلك والإشفاق منه . وأما الجزع فمن آثار الهلع ، وقد فسر بعض أهل اللغة الهلع بالشره ، وبعضهم بالضجر ، وبعضهم بالشح ، وبعضهم بالجوع ، وبعضهم بالجبن عند اللقاء . وما ذكرناه في ضبطه يجمع هذه المعاني ويريك أنها آثار لصفة الهلع . ومعنى خُلِقَ هَلُوعاً : أن الهلع طبيعة كامنة فيه مع خلقه تظهر عند ابتداء شعوره بالنافع والمضار فهو من طباعه المخلوقة كغيرها من طباعه البشرية ، إذ ليس في تعلّق الحال بعاملها دلالة على قصر العامل عليها ، ولا في اتصاف
--> ( 1 ) محمد بن عبد اللّه بن طاهر بن الحسين كان والي شرطة بغداد في زمن المتوكل على اللّه ، وكان شاعرا أديبا ملازما لأهل العلم توفي سنة 253 وأبوه عبد اللّه والي خراسان في زمن المأمون وممدوح أبي تمام توفي سنة 229 .