الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

153

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعى جنس الموصوفين بأنهم أدبروا وتولوا وجمعوا وهم المجرمون الذين يودون أن يفتدوا من عذاب يومئذ . وهذه الصفات خصائص المشركين ، وهي من آثار دين الشرك التي هي أقوى باعث لهم على إعراضهم عن دعوة الإسلام . وهي ثلاثة : الإدبار والإعراض ، وجمع المال ، أي الخشية على أموالهم . والإدبار : ترك شيء في جهة الوراء لأن الدّبر هو الظهر ، فأدبر : جعل شيئا وراءه بأن لا يعرج عليه أصلا أو بأن يقبل عليه ثم يفارقه . والتولّي : الإدبار عن شيء والبعد عنه ، وأصله مشتق من الولاية وهي الملازمة قال تعالى : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ البقرة : 144 ] ، ثم قالوا : ولّى عنه ، أرادوا اتخذ غيره وليا ، أي ترك ولايته إلى ولاية غيره مثل ما قالوا : رغب فيه ورغب عنه ، فصار « ولي » بمعنى : أدبر وأعرض ، قال تعالى : فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا [ النجم : 29 ] أي عامله بالإعراض عنه . ففي التولي معنى إيثار غير المتولّى عنه ، ولذلك يكون بين التولّي والإدبار فرق ، وباعتبار ذلك الفرق عطف و تَوَلَّى على أَدْبَرَ أي تدعو من ترك الحق وتولى عنه إلى الباطل . وهذه دقيقة من إعجاز القرآن بأن يكون الإدبار مرادا به إدبار غير تول ، أي إدبارا من أول وهلة ، ويكون التولي مرادا به الإعراض بعد ملابسة ، ولذلك يكون الإدبار مستعارا لعدم قبول القرآن ونفي استماع دعوة الرسول صلى اللّه عليه وسلم وهو حال الذين قال اللّه فيهم : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ [ فصلت : 26 ] ، والتولي مستعار للإعراض عن القرآن بعد سماعه وللنفور عن دعوة الرسول كما قال تعالى : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [ الأنفال : 31 ] وكلا الحالين حال كفر ومحقة للعقاب وهما مجتمعتان في جميع المشركين . والمقصود من ذكرهما معا تفظيع أصحابهما ، وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون متعلّق أَدْبَرَ وَتَوَلَّى متّحدا يتنازعه كلا الفعلين ، ويقدر بنحو : عن الحق ، وفي « الكشاف » : أدبر عن الحق وتولى عنه ، إذ العبرة باختلاف معنيي الفعلين وإن كان متعلقهما متحدا . ويجوز أن يقدر لكل فعل متعلّق هو أشد مناسبة لمعناه ، فقدر البيضاوي : أدبر عن الحق وتولى عن الطاعة ، أي لم يقبل الحق وهو الإيمان من أصله ، وأعرض عن طاعة