الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
148
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ووجه الشبه بالعهن تفرق الأجزاء كما جاءت في آية القارعة [ 5 ] وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ فإيثار العهن بالذكر لإكمال المشابهة لأن الجبال ذات ألوان قال تعالى : وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها [ فاطر : 27 ] . وإنما تكون السماء والجبال بهاته الحالة حين ينحلّ تماسك أجزائهما عند انقراض هذا العالم والمصير إلى عالم الآخرة . ومعنى وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً لشدة ما يعتري الناس من الهول فمن شدة ذلك أن يرى الحميم حميمه في كرب وعناء فلا يتفرغ لسؤاله عن حاله لأنه في شاغل عنه ، فحذف متعلق يَسْئَلُ لظهوره من المقام ومن قوله : يُبَصَّرُونَهُمْ أي يبصر الأخلاء أحوال أخلائهم من الكرب فلا يسأل حميم حميما ، قال كعب بن زهير : وقال كل خليل كنت آمله * لا ألهينّك إني عنك مشغول والحميم : الخليل الصديق . وقرأ الجمهور بفتح ياء يَسْئَلُ على البناء للفاعل . وقرأه أبو جعفر والبزي عن ابن كثير بضم الياء على البناء للمجهول . فالمعنى : لا يسأل حميم عن حميم بحذف حرف الجر . وموقع يُبَصَّرُونَهُمْ الاستئناف البياني لدفع احتمال أن يقع في نفس السامع أن الأحمّاء لا يرى بعضهم بعضا يومئذ لأن كل أحد في شاغل ، فأجيب بأنهم يكشف لهم عنهم ليروا ما هم فيه من العذاب فيزدادوا عذابا فوق العذاب . ويجوز أن تكون جملة يُبَصَّرُونَهُمْ في موضع الحال ، أي لا يسأل حميم حميما في حال أن كل حميم يبصر حميمه يقال له : انظر ما ذا يقاسي فلان . و يُبَصَّرُونَهُمْ مضارع بصّره بالأمر إذا جعله مبصرا له ، أي ناظرا فأصله : يبصّرون بهم فوقع فيه حذف الجار وتعدية الفعل . والضميران راجعان إلى حَمِيمٌ المرفوع وإلى حَمِيماً المنصوب ، أي يبصر كل حميم حميمه فجمع الضميران نظرا إلى عموم حَمِيمٌ و حَمِيماً في سياق النفي . و يَوَدُّ : يحب ، أي يتمنى ، وذلك إما بخاطر يخطر في نفسه عند رؤية العذاب . وإما بكلام يصدر منه نظير قوله : وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً [ النبأ : 40 ] ، وهذا هو الظاهر ، أي يصرخ الكافر يومئذ فيقول : أفتدي من العذاب ببني وصاحبتي وفصيلتي فيكون