الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
146
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و الرُّوحُ : يطلق على ما به حياة الإنسان وتصريف أعماله وهو المذكور في قوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] . فيجوز أن يكون مما شمله قوله : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ، أي أرواح أهل الجنة على اختلاف درجاتها في المعارج . وهذا العروج كائن يوم القيامة وهو اليوم الذي مقداره خمسون ألف سنة . وهذه تقريبات لنهاية عظمة تلك المنازل وارتقاء أهل العالم الأشرف إليها وعظمة يوم وقوعها . وضمير إِلَيْهِ عائد إلى اللّه على تأويل مضاف على طريقة تعلق بعض الأفعال بالذوات ، والمراد أحوالها مثل حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [ المائدة : 3 ] أي أكلها . و فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ يتنازع تعلقه كل من قوله : واقِعٍ [ المعارج : 1 ] وقوله : تَعْرُجُ . [ 5 ] [ سورة المعارج ( 70 ) : آية 5 ] فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً ( 5 ) اعتراض مفرع : إما على ما يومئ إليه سَأَلَ سائِلٌ [ المعارج : 1 ] من أنه سؤال استهزاء ، فهذا تثبيت للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإما على سَأَلَ سائِلٌ بمعنى : دعا داع . فالفاء لتفريع الأمر بالصبر على جملة سَأَلَ سائِلٌ إذا كان ذلك السؤال بمعنييه استهزاء وتعريضا بالتكذيب فشأنه أن لا تصبر عليه النفوس في العرف . والصبر الجميل : الصبر الحسن في نوعه وهو الذي لا يخالطه شيء مما ينافي حقيقة الصبر ، أي اصبر صبرا محضا ، فإن جمال الحقائق الكاملة بخلوصها عما يعكر معناها من بقايا أضدادها ، وقد مضى قوله تعالى عن يعقوب فَصَبْرٌ جَمِيلٌ في سورة يوسف [ 18 ] وسيجيء قوله تعالى : وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا في المزمل [ 10 ] . [ 6 - 7 ] [ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 6 إلى 7 ] إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً ( 6 ) وَنَراهُ قَرِيباً ( 7 ) تعليل لجملتي سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [ المعارج : 1 ] ولجملة فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا [ المعارج : 5 ] ، أي سألوا استهزاء لأنهم يرونه محالا وعليك بالصبر لأنا نعلم تحققه ، أي وأنت تثق بأنه قريب ، أي محقق الوقوع ، وأيضا هو تجهيل لهم إذ اغتروا بما هم فيه من الأمن ومسالمة العرب لهم ومن الحياة الناعمة فرأوا العذاب الموعود بعيدا ، إن كان في الدنيا فلأمنهم ، وإن كان في الآخرة فلإنكارهم البعث ، والمعنى : وأنت لا تشبه حالهم