الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

144

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وإن الغدر قد علمت معدّ * بناه في بني ذبيان باني ومن بلاغة القرآن تعدية سَأَلَ بالباء ليصلح الفعل لمعنى الاستفهام والدعاء والاستعجال ، لأن الباء تأتي بمعنى ( عن ) وهو من معاني الباء الواقعة بعد فعل السؤال نحو فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً [ الفرقان : 59 ] ، وقول علقمة : فإن تسألوني بالنساء فإنني * خبير بأدواء النساء طبيب أي إن تسألوني عن النساء ، وقال الجوهري عن الأخفش : يقال خرجنا نسأل عن فلان وبفلان . وجعل في « الكشاف » تعدية فعل سأل بالباء لتضمينه معنى عني واهتمّ . وقد علمت احتمال أن يكون سال بمعنى استعجل ، فتكون تعديته بالباء كما في قوله تعالى : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ [ الحج : 47 ] وقوله : يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها [ الشورى : 18 ] . وقوله : لِلْكافِرينَ يجوز أن يكون ظرفا لغوا متعلقا ب واقِعٍ ، ويجوز أن يكون ظرفا مستقرا خبرا لمبتدأ محذوف ، والتقدير : هو للكافرين . واللام لشبه الملك ، أي عذاب من خصائصهم كما قال تعالى : فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [ البقرة : 24 ] . ووصف العذاب بأنه واقع ، وما بعده من أوصافه إلى قوله : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً [ المعارج : 6 ] إدماج معترض ليفيد تعجيل الإجابة عما سأل عنه سائل بكلا معنيي السؤال لأن السؤال لم يحك فيه عذاب معين وإنما كان مجملا لأن السائل سأل عن عذاب غير موصوف ، أو الداعي دعا بعذاب غير موصوف ، فحكي السؤال مجملا ليرتب عليه وصفه بهذه الأوصاف والتعلقات ، فينتقل إلى ذكر أحوال هذا العذاب وما يحفّ به من الأهوال . وقد طويت في مطاوي هذه التعلقات جمل كثيرة كان الكلام بذلك إيجازا إذ حصل خلالها ما يفهم منه جواب السائل ، واستجابة الداعي ، والإنباء بأنه عذاب واقع عليهم من اللّه لا يدفعه عنهم دافع ، ولا يغرهم تأخره . وهذه الأوصاف من قبيل الأسلوب الحكيم لأن ما عدد فيه من أوصاف العذاب وهوله ووقته هو الأولى لهم أن يعلموه ليحذروه ، دون أن يخوضوا في تعيين وقته ، فحصل من هذا كله معنى : أنهم سألوا عن العذاب الذي هددوا به عن وقته ووصفه سؤال استهزاء ، ودعوا اللّه أن يرسل عليهم عذابا إن كان القرآن حقا ، إظهارا لقلة اكتراثهم